ينبه مقال رأي نشره موقع “ذا ناشيونال إنترست” الأمريكي المتخصص في الشؤون السياسية إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لا يزال يمثل تهديدًا قائمًا في سوريا، رغم خسارته ما يُعرف بـ”دولة الخلافة”، محذرًا من أن حالة عدم الاستقرار المستمرة في دمشق قد تمنح التنظيم الفرصة لإعادة بناء قدراته، بالإضافة إلى تصاعد نشاط جماعات متشددة أخرى مثل تنظيم القاعدة.
المقال أعده جونا برودي المتخصص في مكافحة الإرهاب، وجيران أوزجان المتخصص بالشؤون الكردية، ورينا جابر الباحثة السابقة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.
وفقًا للمقال، فقد زادت مخاطر الجماعات الأخرى مثل تنظيم القاعدة وفصائل متشددة جديدة في سوريا، بالإضافة إلى استمرار نشاط حزب الله والفصائل المدعومة من إيران في العراق قرب الحدود السورية.
يقول الباحثون: عندما تولى الرئيس السوري أحمد الشرع السلطة رسميًا بعد سقوط نظام بشار الأسد في يناير 2025، تعهد بالحفاظ على “السلم الأهلي” وإعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية واستعادة سلطات الدولة بعد سنوات من الانقسام والحرب الأهلية. وقد بدا هذا الطرح واعدًا؛ إذ إن ضعف سيطرة الدولة خلال حكم الأسد ووجود مناطق خارجة عن سيطرتها أتاحا لتنظيمات مثل داعش السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي.
على مدى الفترة الماضية، لم يختف تنظيم داعش في سوريا بل أعاد التكيف مع الواقع الجديد عبر الانتقال من السيطرة على الأراضي إلى العمل السري، حيث يقوم بتجنيد العناصر وتنفيذ هجمات محدودة تستهدف قوات الأمن المحلية. وقد تمنح المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا التنظيم أفضل فرصة لإعادة بناء نفسه منذ سنوات، بحسب المقال.
تصاعد خطر العمل السري
بلغة الأرقام، يشير المقال إلى تصاعد خطر العمل السري لتنظيم داعش في سوريا؛ حيث أعلن رئيس جهاز الاستخبارات العراقي حميد الشطري في يناير 2026 أن عدد مقاتلي التنظيم ارتفع خمسة أضعاف خلال عام واحد، من نحو ألفي مقاتل إلى أكثر من عشرة آلاف.
وفي الشهر نفسه، أدت الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سوريا إلى خلق ظروف أمنية سمحت بهروب ما بين 15 ألفًا و20 ألفًا من المعتقلين المرتبطين بتنظيم داعش وأفراد عائلاتهم من المرافق التي كانت تؤمنها “قسد”، مما ينذر بخطر إعادة تواصل التنظيم مع هؤلاء الفارين وزيادة وتيرة الهجمات وحجمها وربما امتداد عملياتها مستقبلًا إلى أوروبا والولايات المتحدة بحسب المقال.
ويقول الباحثون: كثف التنظيم هجماته داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية ويسعى لاستغلال الانقسامات المتزايدة داخل السلطة الجديدة، حيث يشعر بعض الفصائل الإسلامية التي شكلت قاعدة دعم الشرع بخيبة أمل من سياساته المعتدلة وهو ما يحاول داعش استثماره لصالحه.
ظهور جماعات متشددة جديدة
لا يقتصر الأمر على داعش فقط؛ إذ يشير المقال إلى استمرار نشاط جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة في شمال غرب سوريا، بالإضافة إلى ظهور جماعات متشددة جديدة مثل “سرايا أنصار السنة” التي تضم منشقين عن تنظيم داعش و”هيئة تحرير الشام”. وقد نفذت هذه الجماعة بالفعل هجمات ذات طابع طائفي.
ويحذر التحليل من أن تراجع نفوذ “قسد” في مناطق شمال شرق سوريا أدى إلى خلل أمني ملحوظ، بينما تحاول دمشق فرض نموذج مركزي لإدارة الدولة وهو ما يعتبره المقال غير كافٍ لضبط الأوضاع الأمنية المعقدة. كما يلفت إلى أن دمج عناصر مسلحة سابقة ضمن الجيش السوري قد يخلق تحديات داخلية تتعلق بالانضباط والتماسك المؤسسي.
دمج عملي لقوات قسد برعاية أمريكية
ويضيف الباحثون أنه لا يستطيع الشرع الوفاء بوعده بتحقيق الاستقرار عبر المركزية وحدها؛ فالبنية الأمنية السورية لا تزال هشة والجيش يفتقر إلى الخبرة الكافية. كما أن البيئة الأمنية شديدة التقلب بحيث لا تسمح لدمشق بتهميش أكثر شركائها فاعلية في مكافحة الإرهاب.
ويؤكد المقال أنه ينبغي على واشنطن جعل هذا الملف محور سياستها تجاه سوريا عبر ربط استمرار دعمها لاستراتيجية مكافحة الإرهاب السورية بقيام دمشق بدمج حقيقي وفعلي لقوات قسد وليس مجرد استيعاب شكلي لها. محذرًا من أن إخفاق دمشق قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الظروف نفسها التي سمحت سابقا بازدهار التنظيمات الجهادية والجماعات المسلحة المدعومة من الخارج داخل المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة.
تعزيز مركزية الدولة
يضيف الباحثون أنه إذا كان مشروع الرئيس أحمد الشرع الرامي لتعزيز مركزية الدولة يراد له أن ينجح فعليه أولاً التعامل مع التهديد المتجدد الذي يمثله تنظيم داعش ومواجهة وجود عناصر متطرفة داخل الأجهزة الأمنية السورية نفسها؛ إذ عمد الشرع إلى دمج مقاتلين سابقين في جماعات جهادية وفصائل خاضعة لعقوبات أمريكية ضمن الجيش والأجهزة الأمنية بهدف توحيد السلاح تحت سلطة الدولة ودمج “قسد” بشكل حقيقي ضمن الجيش السوري لتعزيز قدرات مكافحة الإرهاب. إذ تمتلك خبرة واسعة في محاربة داعش ودعمًا أمريكيًّا سابقًا وقدرات استخباراتية متقدمة. ويمكن أن يضيف دمجها ما بين 30 إلى 50 ألف مقاتل إلى القوات السورية.
ويخلص المقال إلى أن استقرار سوريا يرتبط بمدى نجاح عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن المنظومة الأمنية الرسمية معتبرًا أن تجاهل هذا المسار قد يؤدي إلى إعادة إنتاج بيئة تسمح بعودة التنظيمات الإرهابية وتفاقم حالة عدم الاستقرار.
- الفيديو المرفق يظهر عمليات نفذتها واشنطن ضد خلايا داعش في عدة مناطق سورية عقب هجوم أدى لمقتل جنديين أمريكيين ومدني أمريكي في 13 ديسمبر 2025.

