أعلنت حركة حماس مؤخرًا عن اختيار القيادي خليل الحية رئيسًا لمكتبها السياسي، وذلك لملء المقعد الشاغر بعد رحيل يحيى السنوار وإسماعيل هنية.
هذا القرار يعكس تحولًا استراتيجيًا في موازين القوى الداخلية، ويكشف عن هوية الجناح الذي يمسك بزمام الأمور داخل الحركة في توقيت يعد الأخطر منذ تأسيسها عام 1987.
وفقًا لمصادر مطلعة، تم اختيار خليل الحية وفق اللائحة الداخلية المعدلة للحركة. ونظرًا للظروف الأمنية المعقدة ووفاة عدد من أعضاء مجلس الشورى العام، تم التوافق عبر ما يُعرف بـ “الأغلبية الشورية” من خلال مشاورات مكثفة ومؤمنة بين الأقاليم الثلاثة للحركة (غزة، الضفة، الخارج) لتفويضه برئاسة المكتب السياسي وإدارة المرحلة الانتقالية الحرجة.
المطبخ السياسي لحماس: التأسيس والإدارة
تأسست حركة حماس في 14 ديسمبر 1987 مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى على يد الشيخ أحمد ياسين ومجموعة من قيادات المجمع الإسلامي في غزة. في البداية، كانت الحركة تُدار عبر قيادة ميدانية في الأراضي المحتلة. ومع اتساع نطاق المواجهة واعتقال الرعيل الأول، ظهرت الحاجة إلى إنشاء قيادة سياسية في الخارج تدير العلاقات الدولية والمالية. لذا، تم تأسيس المكتب السياسي لحركة حماس بشكل رسمي في بداية التسعينيات – وتحديدًا عام 1992 – تحت رئاسة موسى أبو مرزوق. انتقل المقر إلى عمان ثم دمشق، وتولى خالد مشعل رئاسته من عام 1996 حتى 2017، ليخلفه إسماعيل هنية الذي أعاد مركز الثقل مجددًا بين غزة والدوحة.
علاقة حماس بالإخوان المسلمين
تنص المادة الثانية من ميثاق حماس التأسيسي الصادر في أغسطس 1988 على أن الحركة تُعتبر جناحًا من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين. ومع ذلك، شهدت العلاقة تحولات جوهرية جعلت إدارة حماس تختلف جذريًا عن إدارة إخوان مصر. حيث ركزت حماس على العمل المسلح ومقاومة الاحتلال كأولوية قصوى، بينما انشغل إخوان مصر بمحاولة السيطرة على المجتمع المصري عبر العمل الدعوي والنقابي والسياسي. هذا الاختلاف جعل أبناء المنطقة ينظرون إلى حماس باعتبارها حركة تحرر وطني بمرجعية إسلامية، وليس كجزء من تنظيم أممي يعطل حساباتها الوطنية.
عززت حماس هذه الرؤية منذ مايو 2017 بإصدار وثيقة المبادئ والسياسات العامة الجديدة التي حذفت أي إشارة تنظيمية لجماعة الإخوان وعرفت نفسها بأنها حركة تحرر ومقاومة وطنية فلسطينية بمرجعية إسلامية. كان هذا التحول إعلانًا رسميًا لفك الارتباط التنظيمي رغبةً من الحركة في المناورة الإقليمية مع الدولة المصرية وباقي العواصم العربية.
خليل الحية: أبرز صقور حماس
يُعتبر خليل الحية المولود في غزة عام 1960 من صقور حركة حماس. فهو يمثل المدرسة العسكرية والميدانية للقطاع ونجا من محاولات اغتيال إسرائيلية عدة، أبرزها عام 2007 والتي أسفرت عن استشهاد سبعة من أفراد عائلته واستشهاد نجله الأكبر حمزة عام 2008.
ومع ذلك، أظهر الحية مرونة كبيرة في العمل الدبلوماسي خلال السنوات الأخيرة؛ حيث تولى إدارة ملف العلاقات العربية والإسلامية وكان المهندس الرئيسي لإعادة ترميم علاقات حماس مع الدولة المصرية. بالإضافة إلى قيادته لوفود المفاوضات غير المباشرة في القاهرة والدوحة.
لماذا خليل الحية وليس خالد مشعل؟
طرح اسم خالد مشعل – رئيس الحركة السابق في الخارج – بقوة كمرشح دائم للمنصب الذي شغله بنجاح سابق. لكن كفة خليل الحية رجحت لأسباب استراتيجية وتنظيمية مهمة؛ إذ بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 أصبحت لإقليم غزة والقيادة العسكرية كتائب القسام الكلمة العليا والنهائية في تحديد هوية رئيس الحركة. يُعتبر “الحية” الامتداد الطبيعي لخط يحيى السنوار وإسماعيل هنية ويحظى بثقة مطلقة من القيادة العسكرية بالميدان، بعكس “مشعل” الذي ينظر إليه البعض داخل غزة على أنه يمثل تيار الخارج البعيد عن حسابات الخنادق.
سبب آخر لاختيار خليل الحية هو علاقته القوية مع طهران ودمشق وحزب الله؛ حيث كان له دور بارز خلال زيارته لسوريا عام 2022 لإنهاء الخصومة التاريخية. بالمقابل تشهد علاقة خالد مشعل بجناح إيران برودًا تاريخيًا منذ موقفه من الأزمة السورية عام 2011. وبالتالي كان اختيار مشعل سيعني صدامًا مع الممول العسكري الرئيسي للحركة.
يُعتبر “الحياة” أيضًا وجهًا مقبولاً لدى القاهرة لإدارة ملف المفاوضات والمعابر؛ مما يضمن استمرار تدفق خطوط الاتصال مع القاهرة دون تعقيدات سياسية.
مستقبل حماس تحت قيادة خليل الحية
يتوقع المراقبون أن تتركز مهام خليل الحيا خلال الفترة المقبلة حول ثلاثة ملفات رئيسة؛ أولها إدارة المفاوضات الشاقة واستكمال قيادة ملف مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى ومحاولة الوصول لصيغة تضمن انسحاب القوات الإسرائيلية مع الحفاظ على كينونة الحركة.
كما يُنتظر منه إدارة اليوم التالي للحرب عبر ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وإدارة ملف حكومة التوافق الوطني أو الإدارة المشتركة لقطاع غزة بالتعاون مع حركة فتح والفصائل الأخرى لضمان عدم عزل حماس سياسيًا وتأمين الدعم المالي والعسكري مع الحفاظ على توازن شبكة تحالفات الحركة بين المحور الإيراني للدعم العسكري والمحور العربي (مصر وقطر وتركيا) للغطاء السياسي والإنساني وإعادة الإعمار.

