حكم كتابة آيات القرآن على التورتة من المسائل التي تثير تساؤلات كثيرة مع انتشار طباعة الصور والعبارات المختلفة على كيك المناسبات وأعياد الميلاد وحفلات التكريم، إذ يلجأ بعض الأشخاص إلى وضع صورة المصحف الشريف أو كتابة آيات قرآنية على الكيك بقصد التبرك أو إضفاء طابع ديني على المناسبة، وهو ما دفع الكثيرين للبحث عن الرأي الشرعي في هذه المسألة.

وقد أوضحت دار الإفتاء المصرية أن الحكم يختلف باختلاف القصد والنتيجة المترتبة على هذا الفعل، مع التأكيد على أن تعظيم القرآن الكريم واحترامه أصل شرعي أجمع عليه المسلمون.

الاحتفال بالمناسبات أمر جائز شرعًا

أكدت دار الإفتاء المصرية أن الاحتفال بالمناسبات المختلفة في الأصل أمر جائز شرعًا، لما فيه من إظهار الفرح والسرور والتذكير بنعم الله تعالى على الإنسان.

واستدلت الدار بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، موضحة أن من صور الاحتفال المتعارف عليها إعداد الحلوى والتورتة وتزيينها بالأسماء أو العبارات المناسبة للمناسبة، وهي أمور مباحة لا حرج فيها ما دامت خالية من المحظورات الشرعية.

متى يكون وضع صورة المصحف على الكيك غير جائز؟

أوضحت دار الإفتاء أن حكم كتابة آيات القرآن على التورتة أو طباعة صورة المصحف الشريف عليها يتوقف على القصد من ذلك وما يترتب عليه من امتهان أو عدمه.

فإذا كان وضع صورة المصحف أو الآيات القرآنية يؤدي إلى الامتهان أو الاستخفاف أو امتهان حرمة القرآن الكريم بأي صورة من الصور، فإن ذلك لا يجوز شرعًا، لأن القرآن كلام الله تعالى، وقد أوجب الشرع الشريف تعظيمه وصيانته عن كل ما لا يليق بجلاله ومكانته.

واستشهدت الدار بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۞ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ۞ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾.

إجماع العلماء على تعظيم القرآن الكريم

أكدت دار الإفتاء أن العلماء أجمعوا على وجوب احترام القرآن الكريم وصيانته من كل ما قد يؤدي إلى امتهانه، وقال الإمام النووي رحمه الله: “أجمع العلماء على وجوب صيانة المصحف واحترامه”.

كما وردت آثار عديدة عن السلف في النهي عن كتابة القرآن في الأماكن التي قد تتعرض للوطء أو الامتهان، حرصًا على حفظ مكانة كتاب الله تعالى وتعظيم شعائره.

وأشار الفقهاء إلى كراهة كتابة الآيات القرآنية على بعض الأشياء المعرضة للامتهان، مثل الثياب أو النقود أو ما يُفرش ويُوطأ، إذا كان ذلك يؤدي إلى التقليل من هيبة القرآن أو تعرضه لما لا يليق.

هل يجوز كتابة الآيات على الطعام بقصد التبرك؟

في المقابل، أوضحت دار الإفتاء أن حكم كتابة آيات القرآن على التورتة يختلف إذا انتفى الامتهان تمامًا وكان المقصود هو التبرك أو الاستشفاء أو إظهار المحبة والتعظيم للقرآن الكريم.

فقد نقل الإمام النووي عن عدد من علماء السلف، منهم الحسن البصري ومجاهد والأوزاعي، جواز كتابة القرآن في إناء ثم غسله وشرب مائه للتبرك والاستشفاء.

كما ذكر الإمام النووي أن بعض فقهاء الشافعية قالوا: “إذا كُتب القرآن على حلوى أو طعام فلا بأس بأكله”، ما دام ذلك لا يترتب عليه امتهان أو استخفاف بالقرآن الكريم.

هل يجوز أكل الكيك المكتوب عليه آيات قرآنية؟

أشارت دار الإفتاء إلى أن حكم كتابة آيات القرآن على التورتة لا ينفصل عن حكم أكلها، فإذا كانت الكتابة قد تمت بطريقة لا يترتب عليها امتهان للقرآن وكان المقصود بها التبرك والتعظيم، فلا مانع من أكلها عند بعض أهل العلم الذين أجازوا كتابة القرآن على الطعام.

أما إذا كانت الصورة أو الكتابة ستتعرض للتقطيع أو الإلقاء في القمامة أو أي صورة من صور الامتهان التي تتنافى مع تعظيم كتاب الله، فإن ذلك لا يجوز شرعًا.

دار الإفتاء تحسم الجدل

خلصت دار الإفتاء المصرية إلى أن حكم كتابة آيات القرآن على التورتة يدور مع وجود الامتهان أو عدمه؛ فإن كان في ذلك امتهان للقرآن الكريم أو انتقاص من حرمته فهو أمر محرم شرعًا، أما إذا انتفى الامتهان وكان القصد التبرك والتعظيم فلا حرج فيه.

ويبقى الأصل الذي يجب أن يحرص عليه المسلم هو تعظيم القرآن الكريم وصيانته عن كل ما قد يمس مكانته أو يقلل من هيبته، امتثالًا لأوامر الشرع الشريف وإجماع علماء الأمة على وجوب احترام كتاب الله تعالى في جميع الأحوال.