أفادت دار الإفتاء المصرية بأن الحالة التي يتم فيها إعطاء الزوج لزوجته مالًا لتوزيعه على المستحقين تعتبر بمثابة وكالة، مما يعني أن الزوج قد فوّض زوجته في توزيع ماله على الفقراء والمساكين، وهو ما يتماشى مع مفهوم الوكالة. وقد عرف الإمام البَابَرتِي الوكالة في “العناية” بأنها: “إقامةُ الإنسانِ غيرَه مَقامَ نَفسه في تصرُّفٍ معلومٍ”؛ وذلك لأن التصرف في المال يُقبل النيابة، حيث يمكن للإنسان أن يتصدق أو يخرج زكاته بنفسه أو من خلال شخص آخر، لأنها عبادة مالية تجوز فيها النيابة سواء كان المتصدق قادرًا على أدائها بنفسه أم لا.

حكم التصرف في مال التبرعات دون علم المتبرع

أوضح الإمام الكاساني في “بدائع الصنائع” أن العبادات تنقسم إلى ثلاثة أنواع: مالية محضة مثل الزكاة والصدقات والكفارات والعشور، وبدنية محضة مثل الصلاة والصوم والجهاد، ومشتملة على البدن والمال مثل الحج. وتعتبر العبادات المالية المحضة جائزة النيابة فيها بشكل مطلق، سواء كان الشخص قادرًا على الأداء بنفسه أم لا؛ لأن الواجب فيها هو إخراج المال الذي يتحقق بفعل النائب.

كما أشار الإمام الدسوقي في “حاشيته على الشرح الكبير” إلى أن هناك عبادات لا تقبل النيابة بالإجماع، كالإيمان بالله، وأخرى تقبلها بالإجماع مثل الدعاء والصدقة والعتق ورد الديون والودائع.

وذكر الإمام الرملي الكبير أنه كل عبادة جازت النيابة في فرضها جازت النيابة أيضًا في نفلها مثل الصدقة.

وفي سياق توضيح هذه المسألة، أكدت دار الإفتاء عبر حسابها الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أن الوكالة إذا كانت مقيدة أو مطلقة، وكان المال إما زكاة أو تبرعات وصدقات، فإن ذلك ينقسم إلى أربعة صور يمكن تلخيصها في صورتين:.

الصورة الأولى: عندما يكون المال زكاة أو صدقات ويكون الوكيل مُقيدًا بتوزيع المال.

الصورة الثانية: عندما يكون المال زكاة أو صدقات ويكون الوكيل مُطلق اليد في توزيعه.

في حالة الصورة الأولى التي قيد فيها الوكيل توزيع المال إلى جهة معينة أو أشخاص محددين، يُلزم الوكيل بالالتزام بما حدده له موكله من تصرفات وشروط ولا يجوز له مخالفته؛ استنادًا إلى قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].

قال الإمام الزجاج إن الله تعالى خاطب جميع المؤمنين بضرورة الوفاء بالعقود التي عَقَدها الله عليهم والعقود التي يعقدها بعضهم على بعض كما يوجبه الدين.

وعن عمرو بن عَوفٍ المُزَنِي رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «المُسلِمُونَ عِندَ شُرُوطِهِم»، وهذا ما أخرجه الأئمة مثل الترمذي الذي وصفه بأنه حسن صحيح.

كما أكد الفقهاء أن الوكيل يجب عليه الالتزام بتخصيصات الموكل ولا خلاف حول ذلك. فإذا قال الموكل لوكيله: “فرق هذا المال -أي تصدق به على أهل البلد الفلاني” فلا يحق له توزيعه على غيرهم.

أما بالنسبة للصورة الثانية التي تكون فيها الوكالة مُطلقة وغير مقيَّدة بجهة معينة أو أشخاص معينين، فإن للوكيل الحق في صرف المال لمن يشاء من المحتاجين دون قيود. ومع ذلك يتم التفريق بين مال الزكاة ومال الصدقات بحيث يُصرف مال الزكاة حصرًا للأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].

وأشارت الإفتاء إلى أن الصدقات تجوز لأصناف متعددة ولغيرهم حيث تعتبر الصدقة أكثر مرونة من الزكاة ولا يُشترط فيها التمليك.

وقد نص عدد من الفقهاء على أنه إذا قال الموكل لوكيله: “أعط هذه المال -زكاة أو صدقات- لمن شئت من الفقراء والمساكين” فإنه يجوز للوكيل أن يأخذ منها لنفسه أو يعطي منها لأفراد أسرته بشرط انطباقهم تحت وصف المحتاجين كما أراد الموكل.

وفي النهاية أكد الفقهاء أنه إذا دُفع للوكيل زكاة ليقوم بتوزيعها بين مستحقيها وكان هو من أهل تلك الزكاة جاز له أخذ جزء منها بالمعروف.