كلمات.
الأربعاء 08/يوليو/2026 – 01:05 ص .
يمكنك أن ترى ما فعله منتخب مصر في كأس العالم من زوايا متعددة، وفي كل زاوية سترى شيئًا له وجاهته. فمن زاوية، قد ترى أداء المنتخب مجرد لعبة كرة قدم لا تحتاج لكل هذه الضجة والفرحة العارمة التي تعم الشوارع ووسائل الإعلام. وهذا صحيح، فالمسألة ليست سوى مسابقة في ركل الكرة بالأقدام والرؤوس، ومن سيفوز بكأس العالم لن يفوز إلا في لعبة في النهاية. وهذا الأمر له وجاهته، بدليل أن دولاً قوية وغنية لم تتمكن فرقها من التأهل لكأس العالم مثل الصين والهند.
ومن زاوية أخرى، يمكن اعتبار ما حققه منتخب مصر إنجازًا رائعًا ومذهلاً، ليس فقط لأنه غير مسبوق، ولكن أيضًا لأنه أسعد ملايين المصريين. وبالتالي، فإن الأمر يستحق كل تلك الفرحة والسعادة التي تملأ شوارع مصر.
وهذا أيضًا يحمل جزءًا من الحقيقة وله وجاهته. ومن زاوية ثالثة، هناك من ينظر لما حققه المنتخب بعيون “صفراء” ويجمع المكافآت التي سيحصل عليها كل لاعب من لاعبي المنتخب. وهذه زاوية صفراء كما ذكرت، ولكنها موجودة خاصة وأن الحديث عن ملايين الجنيهات في بلد أكثر من ربع سكانه تحت خط الفقر دائمًا ما يكون حديثًا ذا شجون.
ومن زاوية رابعة ستكتشف أن المصريين حاليًا لم يعد يسعدهم شيء سوى كرة القدم، وهذه قمة المأساة؛ فما أتعس شعب لا يسعده إلا كرة القدم!
وتبقى الزاوية الأخطر وهي أن حسام حسن وما حققه مع منتخب مصر في كأس العالم فضح الحكومة وكشف عجزها وقصورها. لقد قدم دليلاً علميًا على أنها لا تستحق إدارة أمور البلاد. قد تقول إن هذا الكلام يعد تضخيمًا لأمر صغير، ولكنه في الواقع هو عين الحقيقة. ما فعله حسام حسن كقائد لمنتخب مصر يقدم دليلاً علميًا على قدرة الشعب المصري على صنع المعجزات في زمن قياسي.
نعم، حسام حسن صنع معجزة بفوزه بلاعبين محليين (ما عدا محمد صلاح ومرموش) على فرق تمتلك محترفين كبار ومشاهير قد يقترب سعر الواحد منهم من نصف سعر الفريق المصري. حسام وفريقه حققوا ما لم يكن يتوقعه أكثر المتفائلين بالإخلاص والحماس وحب مصر والعدالة وحسن استغلال قدرات لاعبيه.
“حسام حسن” الذي ذهب إلى البطولة وسط استهجان عدد كبير من المصريين لأنه تجاهل لاعبين يعتبرهم البعض أحق بالانضمام للمنتخب ممن اختارهم “حسام” لكنه لم تهزه كلمات الاستهجان تلك وأصر على رأيه واختياراته. وفي كل مباراة كان يثبت لمعارضيه أنه كان على حق حتى قل عددهم مباراة بعد أخرى حتى أنه في المباراة الأخيرة لم يكن يعارضه إلا قلة لا تكاد تذكر.
حسام حسن فعل كل ذلك.. أخرس معارضيه بالعمل والإنجاز وصار ملكًا متوجًا على قلوب كل المصريين إلا فيما ندر. وليس هذا فقط بل كسب حب عشرات الملايين من الشعوب العربية. فهل يستطيع الدكتور مصطفى مدبولي أن يفعل في السياسة ما فعله حسام حسن في كرة القدم؟ بالطبع لا.
“حسام” حقق العدالة الكاملة بين اللاعبين فلم يكن يستعين إلا بمن يبذل العرق والجهد ويقدم أداءً له قيمة، ولهذا كان يستبدل محمد صلاح أشهر لاعبي المنتخب. وهذا الأمر جعل الجميع يشعرون بأنه لن يشارك في المباريات إلا من يستحق، فتنافسوا جميعاً في الجهد والعطاء حتى محمد صلاح نفسه لعب في كأس العالم الأخير كما لم يلعب من قبل مع منتخب مصر.
أكرر.. حسام حسن قدم دليلاً عمليًا على أن مصر يمكن أن تحقق المستحيل لو وجدت رئيس حكومة يتحلى بالوطنية والحماس والعدالة ورؤية حسام حسن.
يا سادة.. تجربة حسام حسن مع المنتخب دليل جديد على أننا شعب قادر على صنع المستحيل فقط إذا زرعنا فيه الأمل والحماس وجعلناه يشهر بالعدالة في وطنه وسترى عجباً من المصريين وبغير ذلك فلا أمل.
وصدق المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي القائل: لا يوجد شيء اسمه بلد فقير، يوجد فقط حكومة فاشلة في إدارة موارد البلد.

