يعتقد البعض أن إنجازات حسام حسن تتمثل في قيادته لمنتخب مصر إلى مراحل لم نكن نحلم بها، بينما يرى آخرون أن أدائه المشرف وإطلالته الجريئة هما ما جعلانا نقفز فرحًا ونحلم بما كان بالنسبة لنا مجرد دروب من الخيال. وهناك من يتخيل أن عظمة حسام تكمن في تقديمه صورة مشرفة لمصر الرياضية.
بين خيالات المتفائلين والواقع الذي غاب عن انتباه الكثيرين، توجد مسافات تتجاوز فكرة كرة القدم، وتبرز الاعتقادات الخاطئة بأننا أمام لعبة شعبية قذف بها حسام ورفاقه إلى شباك الخصوم، حيث صنعوا مباريات نارية وضعت مصر في مصاف الكبار.
تتمثل آفة حسام وخطيئته الكبرى في أنه تمكن من اللعب على وتر العقل المصري، ودخل دون أن يدري إلى لغز الإدارة العميق الذي يؤرق الدولة المصرية منذ عقود طويلة. هذا اللغز يتمثل في إدارة الأمور تحت شعار: ليس في الإمكان أفضل مما كان.
تعيش الدولة المصرية ضمن سجن الإمكانيات، إذ يصور رؤساء الحكومات المتعاقبون لنا أن اقتصادنا بصحة جيدة لأننا دولة فقيرة، ليس لدينا بترول أو معادن أو مياه كافية للزراعة. باختصار، كُتب علينا الفقر بسبب الجغرافيا والأرض الخالية من الكنوز، لكن حسام جاء ليقول عكس ذلك.
من يشكلون الوزارات يختارون الأسوأ تحت شعار “هذه هي القماشة”، ويتبجح البعض بالقول: “نجيب منين”. نستورد وزراء يعني. ومن كانوا يشكلون فرق الكرة سواء من الوطنيين أو الأجانب صوروا لنا أيضًا أن التكوين الجسماني للمواطن المصري ضعيف وهزيل. لكن حسام جاء ليقول شيئًا مختلفًا عما قيل سابقًا أو سيقال لاحقًا.
في تشكيل الوزارات المتعاقبة سترى فنون المجاملات والاختيارات القبلية التي تجعلك تشكك في منهج الكفاءة، وتعتقد وهمًا أنه لا بديل لهؤلاء المكتوبين علينا وأن قدرنا محصور في العائلات الوزارية والقضائية والشرطية. جاء حسام بفكر جديد يرفع من قيمة الكفاءة ويقلل من أهمية الوساطة والمحسوبية.
قبل مرحلة حسام، أطلق النظام الكروي في مصر عناكب المطبلاتية وأفاعي النقد الرياضي التي صورت لنا أن حسام ذاهب إلى حيث لا رجعة. لدرجة أن أحدهم بشرنا بخسارة كبيرة أمام بلجيكا. لكن حسام أسكت أبواق النقد وصب إرادته الفولاذية على حناجر المروجين للأكاذيب.
صور لنا كل من سبقوا بداية التاريخ الحسامي أننا نذهب عادة إلى المسابقات الدولية بهدف التمثيل المشرف دون توضيح المعنى الحقيقي لهذا التمثيل. وعندما وطئت أقدام حسام أعلى قمة السباق الكروي قال قولته الشهيرة: “مصر لا تهاب أحدًا”، ولعبت مصر ولم تهاب أحدًا!
فساد الكرة مشابه لفساد السياسة والاقتصاد وكل أنواع الفساد التي تنمو في بلادنا وتجد من يغذيها ويقوم عليها. حتى أن رئيسًا مصريًا قال لوزير على الهواء مباشرة “كرشك كبر أوي.. كفاية كده”. جاء حسام ليخط طريقًا جديدًا يطيح فيه بالفساد وزبانيته، فحقق ما لم يحققه أحد قبله.
ومن جرائم حسام حسن أنه قال فصدق، ولم يعد يخبرنا بأن مصر ستصبح خلال بضع سنوات في موضع آخر كما ردد مدبولي. بل نزل إلى أرض المعركة وخاض صراعًا ضد الفساد والترهل والعجز، وذهب بنا بعيدًا خلال سنوات قليلة نحو آفاق الحلم بتحطيم أحلام كبار العالم وكسر عظام ميسي، أعجوبة الكرة وساحرها المتفرد.
قبل قدوم حسام كنا نتذكر هدفاً يتيمًا لمجدي عبد الغني ونعتبره أطروحة أمل للأجيال. أما الآن فقد جعل حسام أنظار العالم كله تتجه نحو معجزاته وتلتف حول إرادته الفولاذية. فمن منا كان يتصور يومًا أن ينام الشعب المصري حزيناً بسبب سرقة أباطرة كرة القدم منا الفوز على الأرجنتين؟
أن يظهر بيننا رجل يقول إن لدينا القدرة والحلم والإرادة التي يمكنها عبور أسوار العجز التي رسمها أولئك الذين أوهمونا بعدم التأهيل وعدم القدرة وعدم الاستحقاق؛ هذا الرجل لا يمكن اختزاله في ملعب لكرة القدم.. بل هو لعب في الدماغ وليس فقط في المرمى!

