في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير الملامح العمرانية للمدن، تزداد أهمية المحافظة على الذاكرة التاريخية، ولا سيما في مكة المكرمة التي تحمل إرثًا حضاريًا وإنسانيًا فريدًا يمتد عبر القرون.

ومع ما شهدته مكة المكرمة من مشاريع تطوير متلاحقة خلال العقود الماضية، تغيرت أو اختفت كثير من حاراتها القديمة بما كانت تحمله من جماليات عمرانية واجتماعية وإنسانية، لتغيب عن المشهد المادي، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرة أبنائها وسكانها.

وقد أورد مؤرخ مكة المكرمة الشيخ محمد طاهر الكردي – رحمه الله – في كتابه “التاريخ القويم لمكة المكرمة وبيت الله الكريم” أسماء حارات مكة سنة 1343هـ، وهي: سوق الليل، وشعب علي، وشعب عامر، والسليمانية، والمعابدة، وجرول، والنقا، والفلق، والقرارة، والشامية، وأجياد، والقشاشية، والشبيكة، وحارة الباب، والمسفلة.

ومع غياب هذه الحارات عن الواقع العمراني، ظهرت مؤلفات كتبها بعض أبناء مكة المكرمة وكأنها محاولة لاستعادة الذكريات وحفظ ملامح المكان الذي شهد المولد والنشأة. فعبّر هؤلاء عن شوقهم لحاراتهم من خلال التوثيق والكتابة.

وكانت البداية عام 1432هـ حين أصدر الدكتور زكريا بن يحيى لال – رحمه الله – كتابه عن حارة أجياد. كما أصدرت الأستاذة نوال الحبشي كتابها عن حارة جرول عام 1433هـ لتكون من أوائل السيدات اللاتي أفردن كتابًا مستقلًا لتوثيق إحدى حارات مكة المكرمة. ثم صدر كتاب “ذكريات الحارة (السليمانية بمكة المكرمة)” عام 1433هـ لمؤلفه حسين حمزة السليماني. كما أصدر الدكتور فوزي ساعاتي كتابه عن حارة الشامية عام 1434هـ بينما خص الأستاذ عبدالله بالعمش حارة المعابدة بموسوعة في ستة أجزاء عام 1434هـ ليكون أول من وثّق حارة مكية في عمل موسوعي متكامل. وقد كان لهؤلاء السبق في تخصيص مؤلفات مستقلة لحارات مكة المكرمة.

وبعد سنوات من التوقف عن إصدار الكتب المتخصصة في حارات مكة عاد الاهتمام بهذا اللون من التوثيق وكأن الشوق إلى تلك الحارات قد تجدد مع استمرار أعمال التطوير وإزالة ما تبقى من أحيائها العتيقة.

فصدر كتاب “الحجون ومن سكنه لمئة عام مضت” للمهندس محمد جمال أبو شال عام 1443هـ وكتاب “سليمانية مكة” للأستاذ عدنان صعيدي عام 1444هـ وكتاب عن حارات شعب علي والقشاشية وسوق الليل للأستاذ عبد القادر مجاهد عام 1445هـ وكتاب “حارتي جرول” للأستاذ طارق محمود سليمان هلال عام 1446هـ وكتاب “حارة جرول.. مرويات وذكريات” للأستاذ محمد الأنصاري عام 1447هـ وكتاب عن حارة الشبيكة عام 1447هـ إضافة إلى كتاب “المسفلة.. تاريخ وعراقة” للأستاذ أسامة عز الدين عام 1447هـ.

ولم يقتصر الحنين إلى الحارات المكية على الدراسات والكتب التوثيقية بل امتد إلى الأدب والرواية حيث عبّر الأستاذ عبد الرحمن مليباري عن ارتباطه بحارة الباب من خلال روايته “ولد حارة الباب في حارة الباب” وكتاب “أشجان الشامية صور أدبية لمكة المكرمة في العصر الحديث” للدكتور عاصم حمدان – رحمه الله – عام 1431هـ.

وهناك كتب تحدثت عن الحارة بشكل عام ككتاب “حارات مكة وما فيها” للأستاذ عبد الله أبكر عام 1428هـ وكتاب “الحارة المكية” للدكتور هشام الجيلاني عام 1445هـ وكتاب “حارات ومعالم حول المسجد الحرام” عام 1436هـ للدكتور فوزي ساعاتي والذي يعتبر مكمل لكتابه عن حارة الشامية.

ومن المصادر الحديثة التي تناولت تاريخ حارات مكة المكرمة وفق منهجية تاريخية موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة إذ ورد فيها مقالات عدة تناولت حارات مكة ومعالمها وفق ترتيبها الهجائي.

كما ظهرت مؤلفات تناولت بعض الأحياء الحديثة في مكة المكرمة ومن ذلك كتاب “حي العتيبية.. ذكريات 54 عامًا” للأستاذ أحمد الأحمدي.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم هذه المؤلفات جاءت نتيجة جهود فردية بذل فيها المؤلفون وقتهم في البحث وجمع المعلومات وتحمل تكاليف الطباعة والنشر أو من خلال تعاون أبناء الحارات أنفسهم في جمع المادة التاريخية وتوثيقها.

ومن الجميل أن نشهد هذا الاهتمام المتزايد بتوثيق حارات مكة المكرمة من أبنائها ومحبيها غير أن بعض هذه المؤلفات – ولا سيما الإصدارات الحديثة – ما زالت بحاجة إلى مزيد من العناية بالإخراج الاحترافي والالتزام بالمنهج العلمي في التوثيق والتحقيق
ولعل من المفيد أن تتبنى الجهات العلمية المتخصصة مثل مركز تاريخ مكة المكرمة أو كرسي الملك سلمان بن عبد العزيز لدراسات تاريخ مكة المكرمة إعداد دليل أو منهج استرشادي لتوثيق الحارات المكية يستفيد منه كل من يرغب في الكتابة عنها بما يسهم في توحيد المعايير العلمية وإخراج أعمال تليق بمكانة مكة المكرمة وتاريخها العريق وتحفظ ذاكرة حاراتها وأحيائها للأجيال القادمة.