عفوية كبيرة وتواضعًا جمًا ومرحًا تلقائيًا أظهرها الممثل والمخرج وكاتب السيناريو الأمريكي جيسي آيزنبرغ، المرشح لجائزة الأوسكار مرتين والحائز على العديد من الجوائز السينمائية المرموقة، وذلك أثناء تلقيه جائزة الرئيس من كريستوف موخا، المدير التنفيذي لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي الستين الممتد بين 3-11 يوليو 2026، وذلك في المسرح الكبير بقاعة ثيرمال.

كشف النجم المرموق عن المصادفة الجميلة، حيث إنه يحضر المهرجان التشيكي العريق قبل أسبوع واحد من حصوله على الجنسية البولندية. وأعرب عن سعادته بالحصول على هذه الجنسية ليس فقط بسبب جذوره، ولكن لصعوبة ممارسة إنتاج السينما المستقلة في أمريكا الآن. حيث قال: «أرغب في قضاء المزيد من الوقت هنا في أوروبا الوسطى، ففي الولايات المتحدة أصبح من الصعب أكثر فأكثر إنتاج الأفلام التي أحبها: أفلام غير تقليدية وإنسانية ومتوسطة الميزانية. لكنها تحقق نجاحًا كبيرًا في أوروبا. لذلك، من الغريب والمثير للدهشة أن أكون هنا، قبل أسبوع واحد فقط من حصولي على الجنسية الأوروبية، بفيلم أنتجناه قبل أكثر من عشر سنوات وهو فيلم يدين بالكثير للسينما الأوروبية.» ويقصد به فيلم «المزدوج» الذي عُرض بمناسبة تكريمه بجائزة الرئيس.

يُذكر أن جيسي آيزنبرغ – الذي يستمتع باستكشاف الجهل الأمريكي في سيناريوهاته ومسرحياته – يُعد أحد أكثر الشخصيات تنوعًا في السينما المعاصرة. بدأ مسيرته الفنية بأول أدواره في فيلم “روجر دودجر” عام 2002، ونال عنه جائزة أفضل ممثل شاب واعد في مهرجان سان دييغو السينمائي. كما رُشِّح عن أدائه في فيلم الدراما العائلية “الحبار والحوت” (2005) للمخرج نواه باومباخ لجائزة الروح المستقلة وجائزة اختيار النقاد. وحقق فيلم الرعب الكوميدي “زومبي لاند” (2009) نجاحًا جماهيريًا كبيرًا.

أما مسيرته في الإخراج وكتابة السيناريو فقد بدأت بفيلم “عندما تنتهي من إنقاذ العالم”، بطولة جوليان مور وفين وولفهارد. عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجاني صندانس وكان السينمائيين. ثم لفت آيزنبرغ الأنظار بفيلمه الثاني “ألم حقيقي” (2024). رُشِّح آيزنبرغ لجائزة الأوسكار وجائزة غولدن غلوب لأفضل سيناريو، وفاز سيناريوه بجائزة بافتا وجائزة والدو سولت في مهرجان صندانس السينمائي وجائزة الروح المستقلة والعديد من الجوائز الأخرى. كما رُشِّح لجائزة غولدن غلوب لأفضل ممثل وفاز كيران كولكين بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد عن أدائه.

ماذا قال كريستوف موخا؟

كان تقديم المدير التنفيذي للمهرجان كريستوف موخا للنجم المكرم نوعًا آخر من التكريم الإضافي بجوار الجائزة، حيث كشف عن جانب مهم من شخصية جيسي الذي يتحلى بالتواضع الجم قائلًا: «عندما ندعو النجوم إلى مهرجان كارلوفي فاري السينمائي نتواصل أولًا مع وكيل أعمالهم الذي يُحيلنا بدوره إلى مسؤول العلاقات العامة الخاص بهم في نيويورك والذي بدوره يحيلنا إلى مسؤول العلاقات العامة الخاص بهم في لوس أنجلوس وبعد ذلك لا نلتقي بالضيف النجم إلا في كارلوفي فاري. لكن الأمر اختلف تمامًا مع جيسي آيزنبرغ فعندما راسلنا وكيل أعماله في أبريل تلقينا ردًا بعد ثلاث دقائق فقط مفاده بأن جيسي سيكون متاحًا ثم تلقيت بريدًا إلكترونيًا مباشرًا من جيسي نفسه يقول فيه إنه يمكننا التنسيق فيما بيننا دون الرجوع لوكيل أعماله.» هذا ما كشفه المدير التنفيذي لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي كريستوف موخا خلال العرض الخاص لفيلم “المزدوج” مُظهرًا بذلك شخصية جيسي آيزنبرغ ثم مُنح الممثل جائزة رئيس المهرجان.

وحاول جيسي إضحاك الجمهور ممتدحًا المهرجان التشيكي بقوله: «إن كل ممثل أمريكي يفوز بجائزة في مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي يمكن إضافة ذلك لمسيرته الفنية وكأنه قد صنع فيلم باتمان أو أضاف فيلم باتمان إلى سيرته المهنية»، وذلك قبيل عرض فيلم «المزدوج» الذي أخرجه ريتشارد أيودي وفق تعبير جيسي: «بحس سينمائي أوروبي مميز جامعاً بين عوالم كل من دوستويفسكي وكافكا والتعبيرية الألمانية والإدراك الأوروبي المركزي الكاشف إلى أي حد يمكن للبيروقراطية أن تكون مرعبة ومضحكة في آن واحد».

حوارات كارلوفي فاري

افتتح جيسي آيزنبرغ أولى جلسات حوار مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي بدورته الستين وذلك في ردهة المهرجان الجديدة بفندق ثيرمال. بدأ الحوار بفيلم “ذا دابل” قائلًا: «لم أشاهده من قبل على شاشة كبيرة؛ لأني لا أستمتع بمشاهدة نفسي. لكن منذ أن بدأت الإخراج أدركت أن الفيلم بأكمله لم يعد يعتمد على وجهي»، هكذا اعترف آيزنبرغ. كما تذكر بحنين تجربة إخراج الفيلم مضيفاً: “في بدايات مسيرتي المهنية كنت أشعر دائمًا أنني أفسد الأفلام التي أشارك فيها لكن المخرج ريتشارد أيودي إنسان مضحك للغاية لذا كنت أعلم أنه لا مجال لأن أفسد هذا الفيلم إنه أفضل شخص عملت معه على الإطلاق».

على النقيض من مديحه لمخرج «المزدوج»، تحدث جيسي عن تجربته مع الممثل كيران كولكين – الذي فاز بجائزة الأوسكار عن أدائه في فيلم “ألم حقيقي” الذي كتبه وأخرجه جيسي آيزنبرغ – مستعيداً ذكريات تلك التجربة قائلاً: “لم يرد على مكالماتي لمدة ستة أشهر ثم وافق أخيرًا على المشاركة في الفيلم لكنه قال إنه لا يريد التحدث عنه بعد ذلك غيّر رأيه مرة أخرى لحسن الحظ كانت إيما ستون أيضًا من بين المنتجين وكانت قد واعدته قبل سنوات وقد أخبرته أنه يستطيع الانسحاب من الفيلم إذا أراد لكنه سيتسبب في فقدان 300 شخص لوظائفهم». وأضاف جيسي: “كان كيران مصدر إزعاج حقيقي في موقع التصوير لم يفعل أبدًا ما أطلبه منه لكنه كان رائعاً! إنه كائن ساحر ببساطة إنني لا أفهم نفسيته».

واستعاد بطل «المزدوج» خلال محادثات وندوة كارلوفي فاري ذكريات الطفولة عند سؤاله عن تجسيده لشخصيات قلقة تعاني من صراع داخلي قائلاً: “في طفولتي عانيت من القلق والاكتئاب عندما كنت في الخامسة عشرة أدركت خلال تجربة أداء أنني أستطيع تحويل ذلك إلى كوميديا فجأة أصبح ما كان يعيقني شيئاً يمكنني استخدامه لهذا السبب أحب تجسيد شخصيات تعاني من صراعات عاطفية فهذا يساعدني على تقبل نفسي”.

وأكد جيسي أنه يختار أعماله بناءً على الدور وليس المخرج مضيفاً حول الشخصيات القلقة: “أشعر بالشفقة تجاههم؛ لأني أعرف أنهم يعانون جميعهم يعتقدون أنهم يفعلون الصواب لكل منهم نفسيته الخاصة وهذا ما يثير اهتمامي ما يهمني هو الاستمتاع بتجربة تصوير الفيلم وليس جودة الفيلم نفسه على الأرجح لن أشاهده على أي حال». وعن قدرته على عدم تحويل الكوميديا إلى شيء سخيف أكد أنه طالما كان جوهرها العاطفي حقيقيّاً فإنها لن تنزلق إلى السخف مشيراً إلى إعجابه بقدرة السينما على غرس التعاطف مع الأشخاص الذين تختلف حياتهم اختلافاً كبيراً عن حياتنا حتى إنها تجعلنا نتعاطف مع الأشرار.

لا يفوتنا التذكير بتجسيد آيزنبرغ لشخصية مارك زوكربيرغ في فيلم «الشبكة الاجتماعية» عام 2010 والذي نال عنه أول ترشيحاته لجائزة الأوسكار وجائزة غولدن غلوب وجائزة بافتا. كما شارك بفيلمين تحت توقيع وودي آلن الأول كوميدي «إلى روما مع الحب» (2012) والثاني فيلم «مقهى المجتمع» (2016). لعب دوراً مزدوجاً في فيلم الشبح المزدوج (2013) المقتبس عن قصة فيودور دوستويفسكي.

كما عُرضت خمس مسرحيات لآيزنبرغ كمؤلف مسرحي بنيويورك أو منطقة ويست إند بلندن كذلك صدر له كتابان هما.