قال خبراء اقتصاديون ومصرفيون إن البيانات الأخيرة تدعم اتجاه الفيدرالي الأمريكي نحو تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار التضخم، خاصة مع احتمالات تأثير التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة على الأسعار خلال الفترة المقبلة.

وأضافوا لـ”مصراوي” أن خفض الفائدة الأمريكية، حال حدوثه، سيكون له تأثير إيجابي على الأسواق الناشئة، من خلال تخفيف الضغوط على عملاتها وتعزيز تدفقات الاستثمار إليها. بينما قد يمنح استمرار تثبيت الفائدة البنوك المركزية في هذه الأسواق مساحة أكبر للتحرك وفقًا لظروفها الاقتصادية المحلية.

وأظهر تقرير الوظائف الأمريكية الصادر في 7 أغسطس 2026 انكماشًا غير متوقع في سوق العمل، حيث فقد الاقتصاد 23 ألف وظيفة خلال يوليو، مقابل توقعات بإضافة نحو 85 ألف وظيفة.

كما تباطأ معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة إلى 3.4% خلال يوليو، مقابل 3.5% في يونيو، بينما ارتفعت أسعار المستهلكين على أساس شهري بنسبة 0.1%، بما يتماشى مع توقعات الأسواق.

يأتي ذلك في الوقت الذي أبقى فيه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعات عام 2026 حتى أغسطس، عند نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%، بعد أن خفضها بإجمالي 0.75% خلال عام 2025، بواقع 0.25% في اجتماعات سبتمبر وأكتوبر وديسمبر.

توقعات بتثبيت الفائدة الأمريكية

قال الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، إن احتمالات تثبيت أسعار الفائدة الأمريكية ارتفعت إلى نحو 64% بعد صدور بيانات التضخم، مقابل نحو 50% قبل صدور البيانات، لتصبح غالبية التوقعات تميل إلى الإبقاء على الفائدة دون تغيير.

وأضاف معطي أن بيانات الوظائف الأمريكية جاءت ضعيفة، مع تسجيل انكماش بنحو 23 ألف وظيفة، إلى جانب تعديل بيانات الشهرين السابقين بالخفض، مما يزيد المخاوف بشأن أداء الاقتصاد الأمريكي واحتمالات دخوله في حالة ركود.

وأوضح أن تراجع التضخم إلى 3.4% مقابل 3.5% بالتزامن مع ضعف سوق العمل يمنح الفيدرالي مجالًا أكبر لتثبيت الفائدة بدلًا من الاتجاه إلى رفعها.

خفض الفائدة يدعم الأسواق الناشئة

وأشار معطي إلى أن توجه الفيدرالي الأمريكي نحو خفض أسعار الفائدة سيكون إيجابيًا للأسواق الناشئة لأنه يمنح البنوك المركزية في هذه الأسواق مساحة أكبر لتثبيت أو خفض أسعار الفائدة.

وأضاف أن خفض الفائدة الأمريكية قد يخفف الضغوط على الأسواق الناشئة ويدعم تدفقات الاستثمار إليها كما يمنح البنوك المركزية قدرة أكبر على استخدام أدوات السياسة النقدية لدعم النشاط الاقتصادي.

ولفت إلى أن مسار الفائدة سيظل مرتبطًا بالبيانات الاقتصادية المقبلة، خاصة بيانات التضخم وأسعار المنتجين، بالإضافة إلى تأثير الحرب وارتفاع أسعار النفط. موضحًا أن عودة الضغوط التضخمية قد تغير توقعات الفيدرالي بشأن مسار الفائدة وتحد من مساحة التحرك أمام الأسواق الناشئة.

تثبيت الفائدة هو السيناريو الأرجح

وقال محمد عبد العال، الخبير المصرفي، إن توقعات قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة لا تزال متباينة. موضحًا أن الآراء تتراوح بين توقعات برفع الفائدة بمقدار 0.25% وأخرى تشير إلى تثبيتها.

وتوقع عبد العال أن يتجه الفيدرالي في اجتماعه المقبل إلى تثبيت أسعار الفائدة خاصةً في ظل التراجع النسبي لمعدل التضخم في قراءته الأخيرة. مشيرًا إلى أن استمرار التضخم عند مستوياته الحالية أو انخفاضه يدعم سيناريو التثبيت.

وأوضح أنه في حال تصاعد التوترات الجيوسياسية وانعكاسها على أسعار المستهلكين مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم فقد يتغير موقف الفيدرالي ويتجه إلى رفع أسعار الفائدة إلا أن هذا السيناريو ليس الاحتمال الأرجح حاليًا.

الأسواق الناشئة تستفيد من تثبيت أو خفض الفائدة

وأشار عبد العال إلى أن انخفاض أسعار الفائدة الأمريكية أو حتى تثبيتها سيكون لصالح الأسواق الناشئة إذ يؤدي تراجع تكلفة الاقتراض بالدولار إلى تعزيز توجهات الاستثمار في أدوات الدين الحكومية بهذه الأسواق ومن بينها مصر.

وأوضح أن مصر تتمتع بعدد من العوامل التي تدعم جاذبيتها للاستثمارات الأجنبية منها الاستقرار النسبي في السوق المالي ووجود بورصة تتمتع بالسيولة وتتيح للمستثمر الدخول والخروج بسهولة بالإضافة إلى مرونة سعر الصرف التي تعكس التطورات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية.

ولفت عبد العال إلى أن ارتفاع الاحتياطي من النقد الأجنبي يمثل عامل دعم أيضًا بالإضافة للتدفقات المرتبطة ببرامج التمويل الدولية مشيرًا إلى أن صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي سجل فائضًا بلغ نحو 28 مليار دولار مما يعكس تحسن وضع السيولة بالنقد الأجنبي.

وأضاف أن هذه المؤشرات بالإضافة لمعدلات النمو تدعم نظرة إيجابية للاقتصاد المصري موضحًا أن تأثير قرار الفيدرالي على مصر سيظل محدودًا سواء اتجه لخفض أو تثبيت أو حتى رفع الأسعار بمقدار 0.25% نظرًا لاستمرار اتساع فارق أسعار الفائدة لصالح السوق المصرية.

وأوضح عبد العال أن المستثمر الأجنبي في أدوات الدين المصرية ينظر لعاملين رئيسيين هما مكاسب أو خسائر تغير سعر الصرف وفارق أسعار الفائدة مشيرًا إلى أنه يأخذ بعين الاعتبار تحوطه ضد تحركات سعر الصرف عند اتخاذ قرار الاستثمار.

وأضاف أن استمرار ارتفاع العائد الحقيقي في مصر مقارنة بالأسواق الأخرى وفارق أسعار الفائدة يبقى عامل مهم لدعم جاذبية أدوات الدين المصرية حتى لو أجرى الاحتياطي الأمريكي خفضاً محدوداً بمقدار 25 نقطة أساس.

السياسة النقدية الأمريكية مرتبطة بالتطورات الجيوسياسية

قال الدكتور وائل النحاس الخبير الاقتصادي إن السياسة النقدية الأمريكية خلال الفترة المقبلة ستكون مرتبطة بشكل أساسي بالتطورات الجيوسياسية في المنطقة موضحاً أن مسار إنهاء الحرب الإيرانية والتطورات المرتبطة بها سيكون لها تأثير رئيسي على اتجاهات السياسة النقدية.

وأضاف النحاس إن حالة الهدوء النسبي التي تشهدها المنطقة حاليًا تنعكس على تحركات الأسواق مشيرًا إلى أن استمرار التهدئة قد يدعم تراجع الدولار وصعود الذهب بينما تصاعد التوترات قد يؤدي لتحركات مختلفة في أسعار الذهب والدولار والنفط.

وأوضح إن السياسة النقدية الأمريكية ستظل مرتبطة بهذه التطورات مما يجعل مسار الأحداث الجيوسياسية عامل أساسي لتحديد اتجاهات الأسواق والفوائد خلال الفترة المقبلة.