لو سألت نفسك ماذا لو كنت طفلًا؟ ستكون الإجابة غالبًا: لقمت بما أفكر فيه فورًا وبدون أي قيود، ولعبرت بكل جوارحي، ولأصبحت ألعب في كل حين، ولسبحت بخيالي بلا حدود فنسجت قصصًا من بنات أفكاري ليست من الواقع، واخترعت شخصيات لن نجدها إلا في عالم الأحلام، فأحكيها وأرسمها وأصدقها… ولبالغت بكل وسائل التعبير وبكل الحواس، بصوت عالٍ يدوي في الآفاق… بخطوط وألوان صاخبة في سرعة أخاذة.

بتلك العبارات البسيطة وصف الفنان الدكتور عبد العزيز الجندي معرضه في مقدمة الكتالوج الخاص به، فلم أجد أنا أيضًا أفضل منها لأبدأ بها حديثي عن ذلك المعرض المبهج الفريد “أحلام زيزو”.

في الوهلة الأولى لدخولي المعرض وجدت البهجة تستقبلني وتأخذ بيدي وتدعوني لأتنقل بين اللوحات أفتحصها، ألعب مع أطفالها، أغني معهما أغاني لا يسمعها أحد سوانا، أتذكر الشوارع التي تربينا فيها ورسمناها في كراسات الرسم بالأقلام الخشبية الملونة. سمعت ضحكات أطفالي في طفولتهم أثناء لهوهم مع أقرانهم وتذكرت ألعاب الملاهي الشاهقة وصرخات الأطفال الممزوجة بالضحكات البريئة. وجدت حواسي كلها تنتبه لتذكرني برائحة الذكريات وطعم الطفولة وبهجة البراءة وحلاوة البساطة والعفوية.

وجدت لوحات لا يستطيع رسمها إلا طفل صغير. ربما ظننت في بعض اللوحات أن هناك طفلًا آخر اشترك مع “الجندي” في رسم اللوحات أو شارك في التلوين. أو ربما كان لصاحب تلك اللوحات أخ يكبره بأعوام قليلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة؛ فهذه اللوحات والموضوعات التي تتناولها لا تصدر إلا عن أطفال في مرحلة الطفولة.

وببساطة إذا عدنا إلى مراحل النمو الفني لدى الأطفال وفق مراجع العلامة الدكتور “شاكر عبد الحميد” رحمه الله، لن تجد في لوحات المعرض سمات تنتمي إلى مرحلة المراهقة أو الشباب. فقط ستجد ملامح فنون الأطفال: ملامح البراءة، الاختزال، التسطيح، اختفاء خط الأرض، تلاشي المنظور، التضخيم والمبالغة في رسم الشخصيات طبقًا لأهمية دورها في حياة الطفل “زيزو” بطل الحكايات. فالأب يقترب طوله من طول باب المبنى المجاور له، فيظهر عملاقًا بين السيارات التي تضاهي سيارات ألعاب الأطفال في عالمهم المبهج. الشمس تطل بأشعتها الخطية البسيطة والمباني تتزين بالخطوط العفوية غير المنتظمة بصورة زخرفية تلقائية لا تعرف قواعد السيمترية أو التكرار المنتظم.

لم تقتصر لوحات “زيزو” على ملامح مدينة القاهرة وسكانها بل تظهر فيها أيضًا الشخصيات الريفية ذات الجلباب الطويل والعمامة والبيوت القروية كبطل في لوحاته التي عبر عنها بالقص واللصق بالأوراق الملونة؛ نفس الخامات التي يعبر بها الأطفال عن أحلامهم في حصة الرسم. الألوان مختلطة في بعض أجزاء اللوحات لتضاهي قلة خبرة الأطفال وعدم إتقانهم مهارات التلوين. نرى الناس تسير في الشارع في صفوف على خط واحد مع الاحتفاظ بحق الأب والأم فقط في الظهور بحجم أكبر من جميع الأشخاص لأهميتهم في حياة “زيزو” الطفل المتميز.

الألوان والموضوعات

اختار “الجندي” أن يتقمص شخصية “زيزو” وأن يمارس طقوس الأطفال كاملة للتعبير عن ذاتهم دون قيود أو محاذير. فاستخدم كل ما تطاله يده أو يقع في محيط نظره ومكانه من خامات وألوان. ولم يلتفت لاختلاف الخامات أو تنوع الأقلام والألوان بين يديه؛ فدمج الألوان الفلو ماستر بالألوان المائية مع قصاصات الورق الملون والكرتون فخرجت لوحات بريئة بخامات متعددة وموضوعات تهوي الأطفال فقط مثل الملاهي واللعب وسط زينة رمضان وسط الشوارع والحارات. ولم ينسَ “زيزو” ارتباط المبالغة في رسوم الأطفال التي تقترب إلى فن الكاريكاتير الذي يجيده الفنان “عبد العزيز الجندي”؛ فظهرت لمحات منه على وجوه أبطال أحلام ومغامرات “زيزو” السابحة في فضاء لوحاته متحررة من الارتباط بأرض الواقع مفضلة أن تطير مع الهواء النقي في عالم أحلامه البريئة.

كيف تحرر الدكتور عبد العزيز الجندي من القيود الأكاديمية؟

لا يزال السؤال الذي يسيطر علي وأنا أشاهد لوحات المعرض: كيف فعل الأستاذ الدكتور عبد العزيز الجندي الأستاذ بقسم الجرافيك بكلية الفنون الجميلة ذلك؟ كيف تحرر من القواعد الأكاديمية؟ كيف تغلب على طبيعته الفنية المطابقة لعمره العقلي وإدراكه للأبعاد والمنظور والظل والنور وقواعد استخدام الألوان والخامات ليعود بآلة الزمن خمسين عامًا إلى الخلف؟ كيف تخلص من لزمات الفنان الأكاديمي الدارس والقائم على تدريس الفن وقواعده؟ كيف تقمص شخصية الطفل البريء بهذا الإتقان؟

أعتقد أن الإجابة على تلك الأسئلة هي “براعة الفنان”؛ ف”الجندي” فنان مصري شغوف اعتاد رصد مشاهد الشارع المصري. يصطحب أصدقاءه وتلاميذه ليجلسوا معًا في الشارع كل يوم جمعة ليرسموا مع أهل الشارع قبل الفنانين ملامح بيوتهم وحياتهم وأحلامهم. اعتاد رصد الملامح والوجوه، أتقن أدواته الفنية واستطاع في هذا المعرض أن يخلعها وينحيها جانبًا ليكشف عن الطفل “زيزو” القابع بداخله مختفيًا عن الأنظار محتفظًا ببراءته وعفويته مسيطرًا على تفكيره طوال العمر ليظهر بين حين وآخر ليعلن عن فنان سيكتب عنه التاريخ وسيكون “زيزو” بطلاً لعالم جديد من قصص الأطفال.

مشوار