تواجه السعودية معادلة معقدة تتمثل في رغبتها في تجنب الحرب وتهديدات لا يمكن تجاهلها، حيث تتصاعد الهجمات الإيرانية وشركائها في المنطقة. تسعى المملكة جاهدة لتحقيق التوازن بين تفادي الانجرار إلى صراع إقليمي أوسع وتعزيز قدرتها على الردع وحماية مصالحها الحيوية.
دبلوماسية التحالفات وحرب الضرورة
تجد السعودية نفسها في قلب حرب لم تسعَ إليها، بينما تُكثف جهودها لتشكيل تحالفات دفاعية إقليمية. يأمل القادة السعوديون أن تساعد هذه التحالفات في ردع خصومهم وتعزيز قدرتهم على مواجهة الهجمات الإيرانية وشبكة حلفائها، وفق تحليل لوكالة “رويترز”.
تأتي هذه الخطوات في ظل معضلة تتمثل في كيفية حماية أمن المملكة ومصالحها الاقتصادية الطموحة دون الانجرار إلى صراع إقليمي أكبر تُؤججه الحرب بين إيران والولايات المتحدة.
ووفقًا لما ذكرته “رويترز” عن محللين ودبلوماسيين، فإن مساعي السعودية لتشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات في البحر الأحمر، وإشراك تركيا وباكستان في اتفاقيات دفاعية، لم تُحقق الردع المطلوب أو تمنع الهجمات.
كما أن الردود العسكرية السعودية لا تزال “محدودة” أمام الهجمات القادمة من إيران والعراق والحوثيين الذين فتحوا جبهة جديدة ضد المملكة الشهر الماضي واستهدفوا سفنًا سعودية.
معضلة الردع وتجنب الحرب
تواجه الرياض تحديًا كبيرًا يتمثل في تحقيق توازن بين حماية أراضيها ومصالحها الاقتصادية من جهة، وتجنب الانخراط المباشر في حرب إقليمية واسعة من جهة أخرى.
قال مسؤول في الشرق الأوسط لـ”رويترز”: “مشكلة السعودية هي أن خصومها يعلمون أنها تريد تجنب الحرب ويستغلون ذلك”.
ولم يرد مركز التواصل الحكومي السعودي على طلب التعليق على التقرير. وأشار المحلل السعودي عزيز الغشيان إلى أن التطورات الحالية تُعتبر “مقلقة للغاية”، مضيفًا أن ما يحدث يمثل التحدي الذي كانت السعودية تسعى لتجنبه.
وأوضح الغشيان أن إيران وحلفاءها يعتقدون أن السعودية لن ترد، مما يجعل من الضروري إيجاد وسيلة لردعهم مع بقاء التحدي حول كيفية تحقيق هذا التوازن.
بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشتركة، شن الحوثيون هجومًا جديدًا على منشآت نفطية سعودية، مما يعكس استمرار الضغوط التي تواجهها الرياض.
تصعيد تدريجي منذ اندلاع الحرب
منذ بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير، سعت السعودية أولاً إلى احتواء الهجمات عبر القنوات الدبلوماسية قبل اللجوء لاحقًا إلى ردود عسكرية محدودة تم التعامل معها بسرية. وقد توصلت الرياض خلال تلك الفترة إلى فترة من الهدوء النسبي مع إيران بعد دخول وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن حيز التنفيذ في أبريل.
ومع ذلك، هددت الأسابيع الأخيرة هذا الهدوء بعد تعرض المملكة لهجمات مدمرة استهدفت بنيتها التحتية النفطية وحركة الشحن المرتبطة بمضيق هرمز والبحر الأحمر. قبل أسبوعين، شنت القوات الأمريكية والسعودية غارات جوية مشتركة استهدفت فصائل عراقية متورطة في الهجمات على المملكة. جاءت هذه الخطوة رغم مساعي الرياض لتجنب الظهور كطرف مشارك في النزاع بجانب الولايات المتحدة وإسرائيل.
بعد يومين من الغارات، أعلنت الرياض عن نيتها قيادة تحالف دفاعي بحري في البحر الأحمر. وفي الأسبوع الماضي، أُعلنت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان كخطوة نحو تعزيز التعاون الأمني والعسكري بين الدول الثلاث.
تحالفات سعودية ورسائل إلى إيران
تعتبر ياسمين فاروق من مجموعة الأزمات الدولية أن التحركات السعودية تعكس رغبة واضحة لإرسال رسالة إلى إيران مفادها أن “الرياض مستعدة للذهاب إلى مدى أبعد بعد استنفاد الخيارات الدبلوماسية أولاً”. وأكدت فاروق أن الاتفاقيات والتحالف البحري يمثلان تحركًا تدريجيًا نحو مراحل متقدمة من سياسات خفض التصعيد والردع.
“اتفاقية مكة”.. تحالف إسلامي بأبعاد رمزية
تحمل اتفاقية الدفاع المشترك أهمية رمزية كبيرة نظرًا لأنها أُعلنت بعد صلاة الجمعة وفي أحد أقدس المواقع الإسلامية. وأشار سلطان العامر من مجلس سياسات الشرق الأوسط إلى دلالاتها الواضحة التي تعكس تعهد دول إسلامية بالدفاع عن بعضها البعض باعتبارهم “أمة واحدة”. ومع ذلك تبقى الأدوار المحددة للدول الثلاث (السعودية وتركيا وباكستان) غير واضحة حتى الآن.
صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن الاتفاق يتطابق فنيًا مع المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مما يتطلب مشاورات لتحديد نوع الدعم الذي يمكن تقديمه لأي دولة تتعرض لهجوم إذا طلبت ذلك. أما باكستان فقد نجحت حتى الآن في تجنب الدخول بمواجهة عسكرية مباشرة رغم تعرض السعودية لمئات الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
من جهة أخرى، وصفت إيران الاتفاق بأنه خطوة نحو التحرر من الاعتماد على القوى الخارجية مثل الولايات المتحدة.”, مشيرةً إلى عدم وجود أسباب للقلق طالما تم تحديد العدو والتهديد بشكل صحيح.
اليمن.. الجبهة الأكثر حساسية للسعودية
على الحدود الجنوبية للمملكة، أنهى الحوثيون الشهر الماضي هدنة استمرت 4 سنوات وأعلنوا حصارًا بحريًا على السعودية مستهدفين بنيتها التحتية النفطية. تعكس هجمات الحوثيين استمرار تعرض المملكة لمخاطر الحروب غير التقليدية وتعيد للأذهان أزمة عام 2019 عندما انخفض إنتاج النفط السعودي بشكل حاد نتيجة لهجمات الحوثيين المدعومة من إيران.
ويظل ملف اليمن أحد أكثر القضايا حساسية بالنسبة للسعوديين الذين قادوا تدخلًا عسكريًا هناك منذ عام 2015 بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء. وقد أثارت الحرب انتقادات دولية واسعة بسبب الخسائر البشرية والأوضاع الإنسانية الصعبة الناتجة عن الصراع. ومع اقتراب اليمن مرة أخرى نحو حافة الحرب ترغب الرياض هذه المرة بقيادة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لأى هجوم محتمل وتؤكد ضرورة تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة بالبحر الأحمر.
تحالف بحري لحماية البحر الأحمر
قال عدد من المشاركين في أول اجتماع للتحالف إن الدعوات أُرسلت قبل أيام قليلة فقط من انعقاده مما يعكس مدى الاستعجال الذي تتعامل به السعودية مع المهمة وسط تصاعد المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر. وقد انضمت حتى الآن 14 دولة للمنطقة للتحالف وسط توقعات بانضمام دول أخرى قريباً. بينما لا تزال بعض الدول الأوروبية تدرس إمكانية الانضمام وسط مخاوف من احتمال تورطها بالحرب اليمن.

