التدبر في كتاب الله من صفات المتقين، فقد قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256].
تعتبر هذه الآية من أكثر آيات القرآن التي تُقتطع من سياقها، ويُحمَّل لفظها ما لا تحتمل.
فقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ لا يعني أن للإنسان أن ينتسب إلى الإسلام ثم يختار من أحكامه ما يشاء ويترك ما يشاء، أو أن كل أحد حر في مخالفة شرع الله بلا تبعة.
بل المعنى هو أنه لا يُجبر أحد على الدخول في الإسلام ابتداءً؛ لأن الإيمان لا يصح بالإكراه، بل يقوم على الاقتناع والاختيار. وقد أوضح الله طريق الحق بقوله: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، فلم يبق لبس ولا غموض.
أما إذا اختار الإنسان الإسلام، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقد التزم بعقدٍ مع ربه وصار مخاطبًا بأوامر الإسلام ونواهيه. وليس له أن يحتج بقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ليرفض حكمًا من أحكامه أو يستحل ما حرمه الله.
لذلك تأمل ما بعد الآية مباشرة؛ فإن الله لم يقف عند نفي الإكراه، بل قال: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾. فالإيمان ليس دعوى مجردة، بل له مقتضيات؛ أولها الكفر بالطاغوت وآخرها الاستمساك بمنهج الله.
ثم قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا﴾. ولم يقل: أخذ بالعروة، بل قال: ﴿اسْتَمْسَكَ﴾، والاستمساك يدل على قوة التعلق والثبات. فلا يكون المؤمن متبعًا للوحي في وقت ثم يتركه إذا خالف هواه.
فالآية تقرر مبدأين عظيمين:.
- لا إكراه على الدخول في الإسلام.
- لكن من دخل الإسلام، وجب عليه الالتزام بشرعه والاستمساك بعروته الوثقى.
الإسلام لا يُفرض على الناس بالقهر، ولكن من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيًا ورسولًا، فقد رضي بحكم الله والتزم شريعته واستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.
نسأل الله أن يرزقنا فهم كتابه وأن يجعلنا ممن يستمسكون بدينه ويعظمون شرعه ويقفون عند حدوده إنه سميع عليم.

