تحت جنح الظلام وفي هدوء الليل، ووسط شوارع شبه خالية في كمبوند راقٍ بمنطقة التجمع الخامس بالقاهرة، تحرك شابان يحمل أحدهما حقيبة ثقيلة. بدت على الشابين علامات القلق والتوتر، وراحا يتلفتان يمينًا ويسارًا خوفًا من أن يراهما أحد أو ترصدهما كاميرات المراقبة. توجها مباشرة إلى منزل يعرفانه جيدًا، طرقا الباب وانتظرا لثوانٍ قليلة قبل أن يفتح لهما صاحب المنزل. وقبل أن ينطق الرجل بكلمة دفعاه إلى الداخل وعاجلاه بطعنات نافذة حتى الموت، ثم قطعا جثمانه إلى أجزاء وأخفياه داخل ثلاجة وفرا هاربين.

المشهد السابق هو أحد أغرب وأبشع جرائم القتل التي شهدتها القاهرة في الفترة الأخيرة. وقد سبقته وتلته مشاهد أخرى ترصد وتكشف أدق تفاصيل تلك الواقعة المثيرة، وهي المشاهد التي نرصدها في السطور التالية:.

الشك القاتل

البداية كانت عندما تزاحمت الهواجس والشكوك في ذهن عامل شاب يقيم في حي شعبي مع أسرته البسيطة حول وجود علاقة غير مشروعة تربط شقيقته برجل أعمال يقيم في كمبوند بالتجمع الخامس. حاول مرارًا إبعاد تلك الشكوك عن ذهنه ولكنه لم يفلح، ويوماً بعد يوم أصبح لديه يقين بأن رجل الأعمال غرر بشقيقته وأسقطها في علاقة غير مشروعة. امتلأ قلبه غضبًا وسخطًا وعقد العزم على الانتقام لشرفه وغسل عاره بدماء رجل الأعمال.

بعد أن اختمرت الفكرة في ذهنه بدأ يعد العدة ويضع الخطط لتنفيذ جريمته. وفي سبيل ذلك التقى بصديق له وشرح له الأمر من البداية للنهاية، وطلب منه مساعدته في تنفيذ مخططه الآثم. وافق الصديق من فوره، واتفق الاثنان على قتل رجل الأعمال داخل مسكنه بالتجمع الخامس، ووضعا خطة ظنا أنها ستبعد الشبهات عنهما وتخفي جرمهما، تمثلت في انتحال صفة عمال توصيل طلبات واقتحام منزل الضحية وقتله بالأسلحة البيضاء وتقطيع جثمانه إلى أشلاء وإخفائها داخل المنزل. ولتنفيذ تلك الخطة أعدا أسلحة بيضاء ومنشارًا كهربائيًا.

تخطيط محكم ومراقبة على مدار الساعة

بدأ الصديقان الاستعداد لتنفيذ الجريمة من خلال مراقبة منزل رجل الأعمال وتحديد أوقات دخوله وخروجه. واستمرت هذه المراقبات حتى توصلا إلى فترة وجوده في المنزل بمفرده. ويوم التنفيذ وضع الصديقان أدوات الجريمة في حقيبة كبيرة وتوجها تحت جنح الظلام إلى المنزل. طرق أحدهما الباب وعندما أتاه صوت رجل الأعمال من الداخل مستفسرًا عن الطارق، أجابه بأنه عامل توصيل طلبات. فتح رجل الأعمال الباب وما كاد أن يفعل حتى دفعه الصديقان للداخل وكتما صوته حتى لا يستغيث بالجيران، وأغلقا الباب وانهالا عليه طعناً بأسلحتهما البيضاء حتى أردياه قتيلاً.

حيلة شيطانية لإخفاء الجثة

بعد أن تأكد الصديقان من موت رجل الأعمال شرعا في تنفيذ الجزء الثاني من الجريمة وهو تقطيع الجثمان إلى أشلاء وإخفائها حتى لا يكتشفه أحد بسهولة. استخدما أسلحتهما البيضاء والمنشار الكهربائي في فصل أجزاء الجثة عن بعضها ثم وضعاها في ثلاجة المنزل بهدف حفظها حتى لا تصدر منها روائح تصل للجيران. ثم قاما بتنظيف آثار الدماء وأعادا ترتيب مكان الجريمة وفرا هاربين، وظنا أن سرهما سيظل طي الكتمان.

لم يمر وقت طويل حتى اكتشاف الجريمة وانتقل رجال المباحث إلى المنزل الذي شهد الواقعة داخل الحي الهادئ وعثروا على أشلاء الجثمان داخل الثلاجة. بدأ ضباط الشرطة بجمع المعلومات والتحريات والاستماع لشهود العيان وتفريغ كاميرات المراقبة الموجودة في محيط المنزل. وسرعان ما تجمعت خيوط الجريمة أمام رجال المباحث وأشارت كل الدلائل إلى أن “محمد” وصديقه وراء الجريمة. حصل رجال الشرطة على إذن من النيابة العامة وألقي القبض على المتهمين.

وفي التحقيقات حاولا الإنكار ولكن بتضييق الخناق عليهما ومواجهتهما بالأدلة اعترف المتهم الأول بأنه من خطط ودبر ونفذ الجريمة بسبب شكه في وجود علاقة غير شرعية بين القتيل وشقيقته وأنه استعان بصديقه لتنفيذ عملية “إعدام رجل الأعمال” داخل منزله وأرشد المتهمان عن الأدوات المستخدمة في الحادث.

مواجهة ساخنة بين النيابة والدفاع

بعد أن انتهت النيابة العامة من تحقيقاتها أحالت المتهمين إلى محكمة جنايات القاهرة التي بدأت محاكمتهما. وداخل قاعة المحكمة المنعقدة بمجمع محاكم القاهرة الجديدة وقف ممثل النيابة العامة يعدد الجرائم التي ارتكبها المتهمان وقال إنهما عقدا العزم وبيتا النية وخططا ودبرا وأعدا الأسلحة والأدوات ونفذا الجريمة على النحو الثابت في التحقيقات.. واستعرض ممثل النيابة أدلة الثبوت وأقوال الشهود وتقارير الصفة التشريحية واعترافات المتهمين وطالب بتوقيع أقصى عقوبة عليهما.

أما المحامي الحاضر عن المتهمين فقد دفع ببطلان إجراءات القبض والتفتيش وأن الاعترافات المنسوبة للمتهمين في التحقيقات منتزعة منهما كما دفع بانتفاء ركن سبق الإصرار والترصد وتعديل قيد ووصف الاتهامات وطالب ببراءة المتهمين.