ترى، هل كان محمد منير متفائلاً أكثر من اللازم عندما أكد في عام 1997 أن “الأغاني لسه ممكنة”؟ يبدو أن الأمر كذلك، وإلا كيف نفسر ما جرى بعد 7 أكتوبر 2023.

على مدار ثلاث سنوات تقريبًا، التزم أغلب نجوم الفن العربي -باستثناءات قليلة- الصمت تجاه الجرائم الوحشية التي ترتكبها إسرائيل في غزة. عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كان صراخ الضحايا وبكاء الأطفال وصوت الجماهير الغاضب أعلى منهم بكثير.

لم يعد هناك من يحن إلى خبز أمه ولا لديه الآن بندقية يمشي بها منتصب القامة مرفوع الهامة، في كفه قصفة زيتون وعلى كتفه نعشه. نسوا زهرة المدائن بهية المساكن، القدس العتيقة. بقيت اللوعة والحب والهجر والشوق (وبقية القائمة الكلاسيكية لموضوعات الأغنية العربية) هي النغمة السائدة، رغم كل هذه الدماء والدمار والمعاناة التي يكابدها الفلسطينيون أمام أعين الجميع.

على النقيض تمامًا، انطلق مطربو إسرائيل في الجبهة الأخرى من الصراع ليطرحوا مئات الأغاني الوطنية دعماً لجرائم الجيش في غزة. بلغ عددها ألف أغنية وفق بعض التقديرات. تقول إحداها: “لم تعد توجد مدارس في غزة لأنه لم يبق هناك أطفال”. وأخرى تزعم: “نحن نور وسط الأغيار”. وثالثة تتوعد فيها أطفال إسرائيل أطفال غزة بأنه لن يبقى منهم أحد: “خلال عام سنقضي على الجميع”.

إنها أناشيد وحشية للإبادة الجماعية مكتملة الأركان، وأكثرها شهرة هو “حربو ضربو” التي تدعو للانتقام من كل من خطط وشارك وأيد هجمات حماس. شملت قائمة المطلوبين في الأغنية التي تقول بوقاحة “كل كلب وله يوم” مشاهير مثل المطربة دوا ليبا وبيلا حديد لمجرد التعاطف.

الانتشار الهائل للأغنية التي تجاوزت مشاهداتها عبر يوتيوب 20 مليونًا، كشف كيف غيرت هجمات أكتوبر المشهد الموسيقي في إسرائيل. صار من الصعب أن تجد مطربًا لم يغن لإبادة الفلسطينيين وفرض هيمنة إسرائيل على المنطقة. لقد حول صناع الموسيقى الغناء إلى ترسانة أسلحة للثأر والانتقام، حتى داخل صالات الزومبا.. كأن الجميع يصرخون في حفلة زار مجنونة طلبًا للمزيد من دماء العرب.

من غزارة الإنتاج أعدت منصات بث شهيرة مثل سبوتيفاي ويوتيوب قوائم خاصة عنوانها: الأغاني الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر. كرس الهوس الشعبي بأناشيد الدم تلك حملة تعبئة صاخبة ظلت تحرض الجيش الإسرائيلي على مواصلة قتل الفلسطينيين على أنغام موسيقية حماسية، بعضها – ويا للمفارقة المرة – مسروق من ألحان عربية.. حتى الموسيقى احتلوها!

في مواجهة التناقض الصارخ بين رد الفعل داخل العالم العربي وفي إسرائيل، يتعمق لدى الفلسطينيين شعورهم بأن الكل خذلهم، حتى الذين باعوا لهم الحلم العربي بأقل ثمن.

هذا الخذلان -أيا كانت أسبابه- يفسر مشاعر الامتنان الفياضة التي أبداها أهل غزة عندما رفع حسام حسن رايتهم وتحدث عن معاناتهم في محفل دولي كالمونديال، بعدما كاد العالم ينسى أنهم ما زالوا في العراء محرومين من الغذاء والماء والدواء.. بل وحتى الأغاني، أضعف الإيمان، لم تعد ممكنة رغم كل وعود منير بأنه ليس بعد الآن “انكسار ولا انهزام ولا خوف”.