تعود قضية ترعة السلام اليوم إلى الواجهة من زاوية حساسة للغاية، فهي ليست مجرد مشكلة فنية عابرة، بل تمس جوهر مشروع تنموي طال انتظاره في شمال سيناء. تطرح هذه القضية سؤالًا أكبر من الواقعة نفسها: كيف نحمي حلمًا زراعيًا كاملًا من أي خلل قد يصيب منظومة الأمان والرقابة والاستجابة؟

تجدد الحديث عن ترعة السلام جاء استنادًا إلى المنشور الذي نشره الدكتور صلاح صقر، مدير مركز البحوث بجامعة العريش، على صفحته على فيس بوك. إن أي حديث عن دخول مياه صرف أو تلوث مائي داخلها يجب ألا يُقابل بالإنكار أو التهوين، بل يتطلب تحققًا علميًا دقيقًا وشفافية كاملة، بالإضافة إلى التحرك السريع وفق خطة واضحة لمنع حدوث أي ضرر وتحديد آثاره إن ثبت وقوعه.

إن المياه الملوثة، إذا دخلت إلى منظومة الري، لا تؤثر فقط على مجرى الترعة، بل تمتد آثارها إلى التربة والمحاصيل والحيوانات والبشر. فارتفاع الأحمال العضوية وزيادة الأمونيا والمركبات النيتروجينية ووجود العناصر الثقيلة أو الملوثات الدقيقة كلها عوامل قد تؤثر على خصوبة الأرض وسلامة الإنتاج الزراعي وقدرته على النفاذ إلى الأسواق المحلية والخارجية.

الأخطر أن الضرر في مثل هذه الحالات لا يظهر دائمًا فورًا، بل قد يتراكم بصمت حتى نكتشف بعد فترة أن المشكلة لم تكن في يومها الأول بل في آثارها الممتدة.

لذلك فإن القضية تتعلق بأسئلة أكثر أهمية: ما مصدر هذه المياه تحديدًا؟ هل هي ناتجة من محطة المعالجة نفسها أم من مخالفات أو تسربات أو سوء إدارة بعد المحطة؟ هل توجد نقاط رصد كافية على طول المسار؟ وهل هناك نظام إنذار مبكر يكتشف الخلل قبل أن يصل إلى الأراضي الزراعية؟ كما يجب معرفة هل تُعلن نتائج التحاليل بشفافية للمزارعين والرأي العام والجهات الرقابية؟

أي مشروع زراعي يعتمد على الثقة في مصدر المياه يحتاج إلى منظومة صارمة من الضمانات. فالمزارع لا يزرع فقط في الأرض بل يزرع أيضًا في الاطمئنان إلى أن ما يصل إلى حقله صالح وآمن. وإذا اهتزت هذه الثقة، اهتز معها مستقبل الاستثمار الزراعي كله، خاصة في منطقة مثل شمال سيناء التي يُراد لها أن تكون نموذجًا للتنمية المستدامة وليس ساحة لتجارب غير محسوبة.

لذا فإن التعامل الرشيد مع هذه القضية يتطلب خطوات عملية واضحة: أولها إعلان نتائج فحص مستقلة ومحايدة لنوعية المياه في الترعة والمصارف المتصلة بها. وثانيها تحديد نطاق التأثير على التربة والمحاصيل والثروة السمكية والحيوانية إذا وجد. وثالثها وضع خطة طوارئ معلنة للتعامل مع أي تكرار محتمل تشمل العزل المؤقت والوقف الفوري للضخ عند الضرورة والتطهير والمتابعة البيئية المستمرة. ورابعها إشراك المزارعين والباحثين والجهات الرقابية في منظومة متابعة تعتمد على البيانات والقياس والمحاسبة.

من المهم أيضًا ألا تُعتبر هذه المسألة حادثًا منفصلًا بل كجرس إنذار يكشف الحاجة لمراجعة شاملة لمنظومة الحوكمة المائية في المنطقة. فالمشروعات الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الإنفاق أو طول القنوات أو مساحة الأراضي المستصلحة، بل تُقاس أيضًا بقدرتها على الصمود أمام الأعطال ومدى جاهزيتها للتعامل مع الطوارئ ووضوح المسؤوليات بين الجهات المختلفة.

إن شمال سيناء لا تحتاج إلى خطاب مطمئن بقدر ما تحتاج إلى إدارة مطمئنة. والإدارة المطمئنة لا تعني نفي المشكلة بل تعني الاعتراف بها مبكرًا وشرحها للناس وتحديد المسؤول عنها ثم علاجها بطريقة تمنع تكرارها. فالمجتمعات لا تُبنى على العبارات العامة مثل “كل شيء تمام” بل على الثقة التي يصنعها الصدق والإجراءات التي تصنعها الكفاءة.

ويبقى السؤال الأهم: إذا ثبت وجود تلوث أو تسرب لمياه صرف داخل ترعة السلام، فما هي حدود التأثير الفعلية على الأراضي الزراعية القائمة والمستهدفة؟ وما هي الإجراءات التي اتخذت بالفعل وما الذي لم يُتخذ بعد؟ وهل توجد خطة واضحة لتعويض المتضررين وحماية سمعة الإنتاج الزراعي في شمال سيناء؟ وكيف يمكن ضمان ألا يتحول مشروع التنمية إلى مصدر قلق دائم بدل أن يكون مصدر أمل؟

إن هذه الأسئلة ليست للتشكيك بل للحماية وليست لإثارة الخوف بل لصناعة اليقين. المشروعات الوطنية الكبرى لا يليق بها أن تُدار بردود الأفعال بل بخطط استباقية وشفافية ومساءلة ومشاركة مجتمعية حقيقية. وإذا كان الهدف هو تنمية شمال سيناء فإن أول شروط هذه التنمية هي أن تكون مياهها آمنة وأرضها مطمئنة ومزارعوها على بينة من أمرهم.

إن القضية اليوم أكبر من ترعة وأوسع من حادث وأعمق من مجرد خلاف حول مصدر المياه. إنها قضية ثقة في منظومة كاملة وثقة لا تُستعاد بالتصريحات بل بالحقائق والإجراءات والنتائج. ومن هنا فإن المطلوب الآن ليس الصمت بل التحرك؛ وليس التطمين المجرد بل الكشف العلمي؛ وليس انتظار الكارثة بل منعها قبل أن تقع.

فلتكن هذه الواقعة فرصة للمراجعة لا للمكابرة وللتصحيح لا للتبرير ولحماية حلم التنمية في شمال سيناء قبل أن يدفع الجميع ثمن التأخر في الاعتراف بالمشكلة.
صدقوني ليس هناك أقرب للإقناع من الشفافية والمبادرة وإتاحة البيانات في وقتها ولمن يطلبها.. إذا أردتم المصداقية والطمأنينة.. فقط نريد الحقيقة!