أثار الكشف عن رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الدفع برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، جياني إنفانتينو، لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، تساؤلات حول دوافع هذا الترشيح ومدى توافقه مع معايير الاستقلالية والحياد التي يفترض أن تحكم أعلى منصب في المنظمة الدولية، خاصة في ظل التوترات المتزايدة بين واشنطن والأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي العام، أن رغبة ترامب في الدفع بإنفانتينو تشكل من منظور القانون الدولي وإدارة المنظمات الدولية تطورًا بالغ الأهمية، يعكس توجهًا أمريكيًا واضحًا نحو السيطرة على هذا المنصب الرفيع في لحظة تاريخية حرجة.
ثلاثة عوامل وراء اختيار ترامب لإنفانتينو
وأوضح مهران، في تصريحات خاصة لـ”مصراوي”، أن ترامب يفضل إنفانتينو لثلاثة أسباب متداخلة؛ أولها المكافأة الشخصية الواضحة، حيث بذل إنفانتينو جهودًا كبيرة لكسب ود ترامب من خلال إشراكه في مونديال 2026 ومنحه أول جائزة سلام يمنحها “فيفا” في ديسمبر 2025. وهذا يجعل ترشيحه بمثابة مكافأة سياسية على الولاء وليس اختيارًا مهنيًا قائمًا على الكفاءة الدبلوماسية.
وأضاف أن العامل الثاني يكمن في رغبة ترامب في التخلص من إرث جوتيريش الذي انتقد الضربات الأمريكية على إيران وندد بالسياسات الأمريكية بشأن عدة قضايا تتعلق بغزة والمناخ. بينما يرتبط العامل الثالث بكون إنفانتينو يرأس منظمة تضم 211 اتحادًا وطنيًا، أي أكثر من عدد دول الأمم المتحدة البالغ 193 دولة، مما يمنح ترامب حجة قوية لاختيار شخص له حضور عالمي.
كما أشار مهران إلى البُعد اللبناني الذي اكتسبه إنفانتينو بعد حصوله على الجنسية اللبنانية بمرسوم استثنائي من الرئيس جوزيف عون. هذا الأمر يضيف بعداً إقليمياً مهماً في ظل الأحداث الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة.
وأكد أن تعدد الجنسيات لدى إنفانتينو قد يثير تساؤلات قانونية حول تعارضها مع متطلبات الحياد التي يفترض أن يتسم بها الأمين العام للأمم المتحدة.
موافقة الصين وروسيا شرط أساسي
وأشار إلى أن المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن الأمين العام يُعيّن من قِبل الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن. وهذا يعني قانونيًا أن ترشيح ترامب لإنفانتينو لن يتم إلا بموافقة روسيا والصين اللتين تملكان حق النقض. ومن غير المرجح أن تقبلا مرشحًا تختاره الإدارة الأمريكية بمفردها.
وأوضح أنه بسبب ذلك يبقى مصير هذا الترشيح موضع شك عند الاختبار الحقيقي في مجلس الأمن. ورغم عدم اشتراط الميثاق خبرة دبلوماسية معينة، إلا أنه يلزم الأمين العام بالاستقلالية التامة والحياد وعدم تلقي أي تعليمات من أي حكومة؛ وهو ما قد لا يتوفر في مرشح يعتمد بشكل كبير على دعم رئيس معين.
وشدد مهران على أن الرسالة الحقيقية من هذا الترشيح تتجاوز إنفانتينو شخصيًا لتشير إلى رغبة ترامب في تحويل الأمم المتحدة إلى كيان يعمل وفق منطق إداري يشبه إدارة الأحداث الرياضية الكبرى بدلًا من الالتزام بالقانون الدولي والمحاسبة والشرعية الدولية. وحذر من أن فرض مرشح أمريكي على منصب تقليدي كان يُعطى لممثلين عن مناطق أخرى مثل آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية قد يعمق الأزمة التي تعاني منها الأمم المتحدة ويجعلها أداة أمريكية بدلًا من كونها منظمة تمثيل دولي حقيقي.
علاقة ترامب بإنفانتينو قد تكون وراء ترشيحه للمنصب
ومن جانبه، أشار نعمان أبو عيسى، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، إلى نجاح “فيفا” وإنفانتينو في بناء علاقة قوية مع الرئيس الأمريكي رغم عدم قوة المنتخب الأمريكي بالمونديال. كما تمكن رئيس الاتحاد الدولي أيضًا من إقامة علاقات متعددة مع الدول المشاركة في البطولات الرياضية العالمية.
وأضاف أبو عيسى لـ”مصراوي” بأن إنفانتينو لعب دوراً مهماً في تخفيف حدة التوترات خلال المونديال وخاصة مع وجود رئيسة المكسيك ورئيس وزراء كندا وسط حساسيات قائمة بين ترامب وقادة البلدين. واستطاع منح الرئيس الأمريكي أهمية بوصفه رئيس الدولة المضيفة للبطولة رغم مشاركة دول أخرى فيها.
وأشار إلى أن العلاقة القوية التي بنى عليها إنفانتينو مع ترامب قد تفسر طرح اسمه لمنصب الأمين العام كنوع من “رد الجميل” للدور الذي لعبه رئيس “فيفا” خلال المونديال لتعزيز العلاقات.
الأمم المتحدة فقدت جزءًا من مصداقيتها
وذكر أبو عيسى بأن الأمم المتحدة فقدت جزءاً كبيراً من مصداقيتها وفشلت في اتخاذ إجراءات فعالة تجاه ما وصفه بالإبادة الجماعية في غزة وتجاوز القانون خلال الحرب ضد إيران. وأكد أن المنظمة تعتمد بشكل كبير على مجلس الأمن وأعضائه ولا يمكن لشخص واحد تحديد سياساتها بمفرده.
وأشار إلى خلافات سابقة بين ترامب والأمين العام الحالي للأمم المتحدة وكذلك بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول عدد من الملفات المتعلقة بإسرائيل.
ترامب يريد تغييرًا في قيادة الأمم المتحدة
وأضاف بأن الرئيس الأمريكي غير راضٍ عن أداء الأمين العام الحالي ويرغب بإحداث تغيير يتطلب دعم الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن إضافة لإقناع بقية الأعضاء والدول المعنية بهذا التغيير الذي سيكون له تأثير كبير.
وأوضح أبو عيسى بأن أحد دوافع ترامب هو رغبته بوجود قيادة عالمية أكثر ديناميكية وإيجابية بدلاً من شخصية بيروقراطية تركز على الإجراءات والقوانين. وقد يبحث عن أمين عام قادر على التعامل مع المتغيرات الدولية ومعالجة أوجه القصور الموجودة بالنظام الدولي.
رغبة في تقريب إسرائيل من المجتمع الدولي
واختتم أبو عيسى تصريحاته بالإشارة إلى عدم رضا ترامب عن موقف الأمم المتحدة تجاه إسرائيل ورغبته باختيار شخصية دبلوماسية قادرة على تقريب المواقف الدولية منها ودفع إسرائيل نحو الاقتراب منها أيضًا.
وفي ضوء ما طرحه الخبيران يبقى ترشيح إنفانتينو محكومًا بمسارين متوازيين؛ الأول سياسي يتعلق بعلاقة ترامب برئيس “فيفا” ورؤيته لمستقبل قيادة الأمم المتحدة والثاني قانوني ومؤسسي يرتبط بآلية اختيار الأمين العام والتي تمر عبر مجلس الأمن ثم الجمعية العامة ومتطلبات الاستقلالية والحياد التي يجب توفرها لدى شاغل المنصب.

