يتأهب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوجيه خطاب مرتقب إلى الأمة ليلة الخميس، يُتوقع أن يجدد فيه طروحاته المشككة في نزاهة الانتخابات الرئاسية لعام 2020.

تأتي هذه الخطوة في وقت يسعى فيه ترامب، خلال ولايته الرئاسية الثانية، إلى توظيف أدوات السلطة التنفيذية لإعادة صياغة الرواية المستقرة حول تلك الانتخابات، رغم مرور 6 سنوات على خسارته أمام خصمه الديمقراطي جو بايدن.

كان المسؤولون الذين عيّنهم ترامب بنفسه لإدارة وزارة العدل وأجهزة الاستخبارات ووكالات الأمن السيبراني في الأسابيع التي تلت انتخابات عام 2020 قد توافقوا بالإجماع على أن تلك العملية الانتخابية تميزت بالعدالة والنزاهة، وخلت تمامًا من أي تلاعب ذي قيمة أو تدخل خارجي.

ومع ذلك، تبذل الإدارة الجديدة مساعٍ حثيثة لترسيخ النهج المشكك؛ حيث يعمد ترامب إلى تعيين شخصيات موالية تبنت سابقًا ادعاءاته بأن تلك الانتخابات تعرضت للسرقة، مبدياً تطلعه إلى التزام الجميع بهذه الرؤية.

عقيدة الولاء واختبارات التعيين الصعبة

تحول تأييد مزاعم ترامب إلى معيار أساسي واختبار جدي للحصول على مقعد في الإدارة الجديدة.

وقد تجلى ذلك في رفض عدد من مرشحي الرئيس الأمريكي الإجابة بصورة مباشرة عن تساؤلات تتعلق بهوية الفائز الحقيقي في اقتراع 2020، حيث اكتفوا بالإشارة المقتضبة إلى أن الديمقراطي بايدن تولى الرئاسة كأمر واقع.

كان جاي كلايتون، المرشح لتولي منصب مدير الاستخبارات الوطنية المقبل، آخر من سار على هذا النهج خلال جلسة اعتماده يوم الأربعاء، إذ قال معلقًا على بايدن: “لقد حصل على أكبر عدد من الأصوات الانتخابية وتم إعلانه فائزا”.

في المقابل، واجه كلايتون تساؤلاً حادًا من السيناتور الديمقراطي عن ولاية أريزونا مارك كيلي، الذي سأله: “ومن يحصل على أكبر عدد من الأصوات الانتخابية؟ هل هو الشخص الذي يفوز أم الذي يخسر؟” ليرد كلايتون متهربًا: “هذا توصيفك أنت ولن أستمر في هذا النقاش”.

يتبنى ترامب نظريات مؤامرة معقدة تشير إلى وجود تحالف دولي تغلغل في آلات التصويت الأمريكية؛ وهي الادعاءات التي تسببت في ملاحقات قضائية وتهم تشهير طالت حلفاءه عند ترديدها.

وقبيل الخطاب المرتقب، ألمح ترامب إلى الكشف عن “أخبار ضخمة حقًا”، معقبا بقوله: “لا يوجد ما هو أكبر من ذلك لأنه بدون انتخابات حرة ونزيهة فلن يكون لديك وطن”.

المخاوف والتقييمات الرسمية الموثقة

على الجانب الآخر، تسود حالة من القلق بين خبراء العملية الانتخابية من موجة تضليل جديدة.

وفي هذا السياق، صرحت فيكتوريا باسيتي ممثلة منظمة “ستيتس يونايتد” وهي تكتل غير حزبي يدعم مسؤولي الولايات المشرفين على تنظيم الانتخابات لوكالة “أسوشيتد برس” بأنه: “على مدى أكثر من 6 سنوات توصل مجتمع الاستخبارات وكل من فحص الأمر باستمرار إلى عدم وجود أي تدخل أجنبي في عام 2020 وأن أنظمة التصويت لدينا كانت آمنة ودقيقة. وأفترض أن ترامب قد يأتي بادعاء جديد أو استنتاج جديد لكنه سيتعارض تمامًا مع كل الأدلة المتاحة”.

تؤكد سلسلة من المراجعات الواسعة غياب التلاعب؛ إذ خسر ترامب وأنصاره عشرات الدعاوى القضائية أمام المحاكم للطعن في النتائج، وصدرت بعض تلك الأحكام عن قضاة عينهم ترامب نفسه.

كما خلصت عمليات تدقيق وإعادة فرز للأصوات وتحقيقات متعددة قاد بعضها مسؤولون جمهوريون إلى عدم وجود مشكلات جوهرية في التصويت أو الفرز.

وحتى مدعي عام ترامب في ذلك الوقت ويليام بار أكد بوضوح عدم العثور على دلائل تشير إلى تزوير واسع النطاق وهو الموقف الذي أثار غضب ترامب.

وقد تكرر الأمر مع كريس كريبس المسؤول الذي عينه ترامب لقيادة الوكالة المعنية بصد الهجمات السيبرانية على البنية التحتية للانتخابات الأمريكية حيث أكد سلامة انتخابات 2020 وخلوها من التلاعب ما تسبب في إقالته من منصبه بقرار من ترامب الذي يطالب حاليًا بإجراء تحقيقات معه عقب عودته للسلطة في 2025.

تدعم التقارير الاستخباراتية هذه الحقائق؛ إذ أظهر تقييم أعدّ في 7 يناير 2021 خلال الأيام الأخيرة لولاية ترامب الأولى وصدر رسميًا في بداية عهد بايدن عدم وجود تلاعب أجنبي بآلات الاقتراع أو إجمالي الأصوات.

وفي العام الماضي وقع ترامب نفسه وثيقة فدرالية ضمن مراجعة دورية للتدخل الخارجي نصت حرفيًا على أنه: “لم يثبت وجود أي دليل على قيام قوة أجنبية بتغيير النتيجة أو فرز الأصوات في أي الانتخابات الأمريكية”.

إعادة التحقيق واستنزاف الخزانة العامة

على الرغم من تلك البيانات بادر ترامب منذ عودته للبيت الأبيض بإطلاق جولة مراجعة جديدة لانتخابات 2020 وصادر عملاء فدراليون سجلات تصويت في مقاطعتين رئيسيتين بولايتين متأرجحتين كانتا بؤرة لنظريات المؤامرة؛ وهما مقاطعة فولتون في ولاية جورجيا التي تخضع لإدارة ديمقراطية ومقاطعة ماريكوبا في ولاية أريزونا ذات الإدارة الجمهورية.

وعين الرئيس الأمريكي المحامي البارز في أوساط مروجي نظريات المؤامرة الانتخابية كورت أولسن للإشراف على هذا التحقيق.

وفي وقت سابق واجه أولسن عقوبة انضباطية من المحكمة العليا في أريزونا نتيجة تقديمه ادعاءات كاذبة في دعوى قضائية للطعن بخسارة أحد حلفاء ترامب في سباق حاكم الولاية عام 2022.

وفي تعليقه على هذه الإجراءات قال ديفيد بيكر وهو محام سابق في وزارة العدل ورئيس “مركز نزاهة الانتخابات وأبحاثها” الحالي: “لقد خصص موارد ضخمة وغير مبررة من أموال دافعي الضرائب لكنهم لم يجدوا شيئًا” وفقًا لـ”أسوشيتد برس”.

وجاءت مذكرة التفتيش المقدمة في قضية مقاطعة فولتون حافلة بنظريات قديمة ومفندة بينما اضطر مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى إعادة توزيع مئات المحللين لفرز تلك المواد وتدقيقها.

موجات التشهير وتكلفتها المالية الباهظة

في هذه الأثناء يترقب أنصار نظريات التآمر تقديم ترامب للدليل الحاسم الذي ينتظرونه منذ عام 2020 لإثبات التزوير المزعوم.

وتروج إحدى تلك الروايات أن فنزويلا وربما دولاً أخرى تلاعبت بنظم التصويت لمنع فوز الرئيس الحالي.

ومن المفارقات أن الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو يخضع لمحاكمة في مانهاتن بتهم فدرالية تتعلق بتهريب المخدرات إثر نقله بواسطة القوات الأمريكية من بلاده.

وقد أدت هذه المزاعم إلى تكبيد مروجيها تسويات مالية ضخمة إثر دعاوى تشهير رفعتها شركات آلات التصويت وجهات متضررة؛ حيث سددت شبكة “فوكس نيوز” مبلغ 787.5 مليون دولار لإنهاء قضية متعلقة ببث هذه المزاعم أواخر عام 2020 كما أبرمت شبكتا “نيوزماكس” و”وان أمريكا نيوز” المحافظتان تسويات مماثلة مع شركات التصويت للسبب نفسه.

وفي السياق ذاته أدانت هيئة محلفين في دنفر المروج البارز لنظريات المؤامرة مايك لينديل الذي نال دعم ترامب هذا الأسبوع كمرشح جمهوري لمنصب حاكم ولاية مينيسوتا بتهمة التشهير بموظف في شركة لآلات التصويت بعد وصفه بالخائن.

وأشار بيكر إلى وجود نمط متكرر طوال السنوات الست الماضية؛ إذ يطلق المشككون بمن فيها ترامب مزاعم فضفاضة مدعومة بقواعد بيانات معقدة ظاهرياً لكنهم يسقطون دائمًا أمام المحاكم التي تتطلب إثباتات واقعية ملموسة.

<pواقترح بيكر تطبيق معيار صارم على أي طرح جديد لترامب قائلاً: "إذا كان شخص ما يدعي حدوث جريمة قبل 6 سنوات فلا ينبغي لنا الاستجابة لادعاءاته بل يجب أن نطالبه بتقديم عبء الإثبات."