رصدت بيانات البنك المركزي المصري لشهر يونيو الماضي ظاهرة نادرة، حيث سجل مؤشر السيولة المحلية تراجعًا هو الأول من نوعه منذ 9 سنوات. وقد اعتبر المصرفيون هذا التراجع نجاحًا لسياسة كبح التضخم ومؤشرًا محتملاً لقرب خفض أسعار الفائدة، إلا أن قراءة البيانات تكشف عن صورة أكثر تعقيدًا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحركات سعر الصرف.
ما وراء أرقام السيولة M2
شهد المعروض النقدي الواسع (M2)، الذي يشمل النقد المتداول خارج البنوك والودائع بالعملة المحلية والأجنبية، انخفاضًا شهريًا بنسبة 0.4% ليصل إلى 15.26 تريليون جنيه.
لكن هذا التراجع لا يعكس سحبًا واسعًا للأموال، بل يعود بشكل رئيسي إلى عامل محاسبي يتعلق بسعر الصرف. فقد انخفض متوسط سعر الدولار من نحو 52.33 جنيه في مايو إلى 49.28 جنيه في يونيو. وعلى الرغم من نمو الودائع الدولارية باستثناء البنك المركزي بنسبة 1.2% لتصل إلى 66.24 مليار دولار، إلا أن قيمتها المحاسبية بالجنيه تراجعت بفعل هبوط سعر الصرف. كما زادت الودائع المحلية بنسبة 1.7% لتلامس 10.35 تريليون جنيه، بالتزامن مع انخفاض النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي بنحو 88 مليار جنيه.
هل يستهدف “المركزي” المعروض النقدي مباشرة؟
لا يتبنى البنك المركزي المصري نظامًا يستهدف مستوى ثابتًا أو معدل نمو محدد للسيولة المحلية كهدف رئيسي، بل يرتكز الإطار النقدي على استهداف التضخم، مستخدمًا أسعار الفائدة وأدوات إدارة السيولة للتأثير على الائتمان والطلب.
في هذا السياق، أشار تقرير صندوق النقد الدولي الأخير إلى تباطؤ النمو السنوي في “M2” منذ فبراير 2025، حيث بلغ المتوسط بين يناير ومايو 2026 نحو 18.9% مقابل 22.1% في النصف الثاني من 2025، مدفوعًا بانحسار مساهمة صافي المطالبات على القطاع العام.
هل اقترب موعد خفض الفائدة؟
على الرغم من تفاؤل بعض المصرفيين بأن انخفاض السيولة يمهد الطريق لخفض الفائدة وتخفيف تكلفة التمويل للبنوك، خصوصًا مع ارتفاع نسبة القروض إلى الودائع، يرى الخبراء أن القراءة الشهرية المنفردة لا تكفي لاتخاذ القرار.
يحافظ البنك المركزي على نهجه الحذر، بدليل تثبيته لأسعار الفائدة في يوليو للمرة الثالثة على التوالي عند 19% للإيداع و20% للإقراض، مرجحًا اقتراب التضخم من مستهدفاته خلال النصف الثاني من عام 2027. وتظل خطوة خفض الفائدة رهينة لمتابعة مسار التضخم المتوقع وأسعار الفائدة الحقيقية وتحركات سعر الصرف وأسعار الطاقة، بالإضافة إلى مراقبة مخاطر الضغوط الجيوسياسية العالمية والمحلية.

