في الظاهر، تبدو القصة مجرد تحويل بنكي من مصري يعمل بالخارج إلى حساب مشروع “بيت الوطن” التابع لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، لكن خلف هذا التحويل تكمن حكاية أخرى بدأت تتجلى في السوق بشكل لافت، عنوانها حوالات ذات ترتيب متقدم تُعرض للبيع قبل أن يعرف صاحبها أي قطعة أرض سيحصل عليها، وقبل أن يصدر قرار التخصيص أصلاً.

تظهر المفارقة هنا، حيث تطرح الدولة الأرض للمصريين بالخارج وتضع نظامًا واضحًا لمنح أولوية التخصيص وفق توقيت وصول التحويلات البنكية، بينما يبدو أن قيمة هذه الأولوية نفسها أصبحت محل تداول بين بعض المتعاملين في السوق.

السؤال الذي تطرحه “فيتو” في هذا التقرير الذي يستحق التوقف أمامه هو: هل نحن أمام بيع فعلي لقطعة أرض، أم أمام سوق موازية لبيع فرصة الحصول على قطعة من أراضي الدولة؟

بيع الحوالات.. البداية من الترتيب

لفهم القصة، يجب أولاً إدراك طبيعة النظام. في المرحلة الحادية عشرة من مشروع بيت الوطن، طرحت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة 4543 قطعة أرض في 22 مدينة جديدة، منها القاهرة الجديدة، والشيخ زايد، والشروق، و6 أكتوبر، ودمياط الجديدة، والعلمين الجديدة، والمنصورة الجديدة وغيرها.

في يونيو 2026، أعلنت الهيئة فتح باب التحويلات التنشيطية للحصول على أولوية التخصيص، على أن تبدأ التحويلات اعتبارًا من 23 يونيو ولمدة 10 أيام عمل.

القاعدة هنا شديدة الأهمية؛ فالأولوية تُحدد وفق تقرير البنك المركزي المصري وبحسب أولوية وصول التحويلات. كما اشترطت الهيئة أن تتضمن الحوالة التنشيطية كود الحجز الخاص بالقطعة المراد حجزها وكود واحد للحاجز نفسه. وبمعنى أبسط، فإن من يصل تحويله مبكرًا تكون لديه فرصة أفضل للدخول إلى عملية التخصيص قبل صاحب التحويل المتأخر. وهنا تحديدًا تبدأ قيمة الترتيب.

من مجرد رقم إلى سلعة

بحسب ما يتداوله المتعاملون في هذا السوق، أصبح من الممكن العثور على إعلانات تبحث عن حوالات ذات ترتيب متقدم في المرحلة الجديدة. الصورة التي تتكرر في هذه المعاملات تبدو تقريبًا هكذا: مصري مقيم في الإمارات أو السعودية أو إحدى دول الخليج أجرى تحويله البنكي مبكرًا فوصلت حوالته إلى حساب المشروع في توقيت يمنحه ترتيبًا متقدمًا.

بدلًا من الانتظار حتى التخصيص، يعرض صاحب الحوالة ترتيبه على مشترٍ آخر. وقد يصل الأمر وفق ما يتداوله السوق إلى طلب مبالغ بملايين الجنيهات مقابل هذا الترتيب. وهنا لا يدفع المشتري ثمن أرض محددة؛ فحتى اللحظة لا يوجد رقم قطعة نهائي ولا تخصيص باسمه ولا عقد بيع للأرض. هو يدفع فقط مقابل الحصول على موقع متقدم داخل طابور التخصيص وهذه هي النقطة الأخطر في القصة.

لماذا الترتيب مهم إلى هذه الدرجة؟

لأن المعروض ليس مفتوحًا بلا حدود؛ فالمرحلة الحادية عشرة تضم 4543 قطعة فقط موزعة على 22 مدينة بينما أولوية الدخول إلى التخصيص مرتبطة بتوقيت وصول التحويلات.

وبالتالي فإن الحاجز الذي يمتلك ترتيبًا متقدمًا يدخل إلى الموقع في وقت مبكر فتكون أمامه اختيارات أوسع. أما صاحب الترتيب المتأخر فقد يجد أن القطع المميزة قد نفذت بالفعل. وبهذا تتحول أسبقية التحويل من مجرد إجراء تنظيمي لضمان تكافؤ الفرص إلى قيمة اقتصادية قابلة للتداول خارج إطار عملية التخصيص نفسها. وهنا تكمن المفارقة؛ فالنظام صُمم لتنظيم أولوية المصريين بالخارج لكن السوق يحاول تحويل الأولوية إلى منتج له سعر.

«أنا مغترب وحوالتي وصلت بسرعة»

واحد من أكثر السيناريوهات دلالة هو أن صاحب الحوالة لا يبيع الأرض بل يبيع قصة مختلفة؛ يدخل على جروب من جروبات بيع الأراضي ويكتب رسالة مختصرة يقول فيها: “أنا مغترب وحولت من الخارج والحوالة وصلت مبكرًا وترتيبي متقدم وأريد بيع الحوالة”، ثم يبدأ المفاوضة حول كم قيمة الترتيب وما ضمان المشتري وكيف تنتقل الحوالة ومتى يدفع باقي المقابل.

هذه الأسئلة تكشف أن السوق لا يتعامل مع الحوالة باعتبارها مجرد مبلغ محول لصالح صاحبه وإنما باعتبارها مفتاحاً للحصول على فرصة تخصيص أرض حكومية في موقع مرغوب.

وهنا تظهر الثغرة؛ فمن الناحية الرسمية القواعد المنشورة لا تقول إن “ترتيب الحوالة” أصل مستقل يجوز بيعه. على العكس تؤكد شروط “بيت الوطن” أن التنازل عن قطعة الأرض أو التصرف فيها لا يجوز إلا بعد الحصول على موافقة كتابية مسبقة من جهاز المدينة وسداد المصروفات المقررة وفق اللائحة العقارية. كما أن التخصيص نفسه مرتبط بالحاجز وإجراءات الحجز وليس بمجرد امتلاك شخص آخر لتحويل بنكي.

لكن ما يجري في السوق – بحسب ما يظهر من الإعلانات والتعاملات المتداولة – يتحرك قبل هذه المرحلة أصلاً.

ماذا يحدث بعد التخصيص؟

هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا؛ فبحسب الرواية المتداولة في السوق يجري الاتفاق على قيمة للحوالة ثم يقدم المشتري ضمانات للبائع ويستكمل الإجراءات بحيث تستمر الحوالة في مسارها حتى تخصيص قطعة الأرض. وبعد ظهور التخصيص تبدأ مرحلة أخرى من التعامل وقد تظهر التوكيلات أو العقود أو إجراءات التنازل الرسمية بحسب الحالة وما تسمح به اللوائح.

لكن هذه النقطة تحديداً مهمة جداً؛ لأن ما تسمح به الدولة بعد التخصيص ليس بالضرورة هو نفسه ما يجري الاتفاق عليه بين الطرفين قبل التخصيص. فكراسة الشروط تضع قيوداً واضحة على التصرف في الأرض وتشترط موافقة الجهاز المختص.

بيع الحوالات قبل تخصيص الأرض

الحديث عن بيع الحوالات قبل تخصيص وتسليم الأرض فتح مجالاً للتشكيك في حرمانية تلك المعاملات التي يعتبرها البعض بيع مال بمال لعدم وجود عين أصلاً وهو ما يتعارض مع تعاليم الشريعة الإسلامية.

المؤكد أنه إذا كانت هناك بالفعل سوق نشطة لبيع الحوالات ذات الترتيب المتقدم فإن مواجهتها لا تحتاج فقط لمطاردة الإعلانات أو الوسطاء؛ الأهم هو معالجة مصدر القيمة نفسه. ومن بين الأفكار التي يمكن للوزارة دراستها ربط أولوية التحويل بالرقم القومي وبيانات الحاجز بصورة أكثر إحكاماً ومنع نقل أي منفعة ناشئة عن الحوالة لطرف ثالث قبل التخصيص وإظهار اسم المستفيد النهائي الذي سيُخصص له الموقع مع وجود آلية تحقق تمنع استخدام الحساب أو الحوالة كوسيلة للمتاجرة في أولوية التخصيص.