لم يعد ملف الدواء في مصر خلال السنوات الأخيرة مجرد قضية مرتبطة بتوفير العلاج داخل الصيدليات، بل أصبح جزءًا أساسيًا من الأمن الصحي القومي. فقد أعادت الأزمات العالمية المتلاحقة تعريف أهمية امتلاك الدول لقدرات إنتاجية محلية تضمن حماية احتياجات مواطنيها وقت الأزمات.
مع جائحة كورونا واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكلفة المواد الخام، أصبح ملف الدواء واحدًا من أبرز التحديات التي تواجه الأنظمة الصحية حول العالم. هذا ما دفع مصر إلى تسريع خطوات إعادة تنظيم القطاع، ودعم الصناعة المحلية، وتطوير منظومة الرقابة على المستحضرات الطبية.
منذ 30 يونيو، شهد قطاع الدواء المصري سلسلة من التحولات التي استهدفت الانتقال من التعامل مع مشكلات السوق بصورة منفصلة إلى بناء منظومة أكثر تنظيمًا تقوم على التصنيع المحلي والحوكمة والرقابة وضمان توافر العلاج للمواطنين.
رغم أن مصر تمتلك صناعة دوائية تمتد لعقود، إلا أن أحد أبرز التحديات كان الاعتماد على استيراد نسبة من المواد الخام الدوائية. هذا الاعتماد جعل السوق يتأثر بأي اضطرابات اقتصادية أو عالمية، خاصة مع تغيرات أسعار الصرف وارتفاع تكلفة الإنتاج.
كان إنشاء هيئة الدواء المصرية عام 2019 بموجب القانون رقم 151 لسنة 2019 أحد أهم التحولات في إدارة ملف الدواء. حيث أصبحت الهيئة الجهة المستقلة المسؤولة عن تنظيم ورقابة المستحضرات الطبية، بدءًا من تسجيل الأدوية والتفتيش على المصانع وصولًا إلى متابعة جودة وفاعلية المستحضرات المتداولة.
أكدت هيئة الدواء المصرية أن إنشاء الهيئة استهدف توحيد منظومة الرقابة على الدواء، وتطبيق المعايير العالمية في التسجيل والتصنيع، ورفع كفاءة الصناعة المحلية بما يضمن وصول دواء آمن وفعال للمريض.
على مستوى الصناعة، أكد الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، أن مصر تمتلك أكثر من 170 مصنعًا للدواء تضم نحو 2370 خط إنتاج، منها 986 خط إنتاج للأدوية. مشيرًا إلى أن نسبة كبيرة من احتياجات السوق يتم توفيرها من الإنتاج المحلي ضمن جهود تعزيز الأمن الدوائي.
كما أوضح رئيس هيئة الدواء المصرية في تصريحات صحفية أن الدولة تعمل على زيادة قدرات التصنيع المحلي ودعم المصانع للحصول على الاعتمادات الدولية، مما يرفع قدرة المنتج المصري على المنافسة والتصدير.
يمثل السوق المصري واحدًا من أكبر أسواق الأدوية في الشرق الأوسط وأفريقيا. حيث أكد الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، أن حجم سوق الدواء المصري يقدر بنحو 300 مليار جنيه سنويًا، مما يعكس أهمية القطاع اقتصاديًا وصحيًا.
رغم امتلاك مصر قاعدة صناعية قوية في إنتاج المستحضرات النهائية، يظل ملف المواد الخام الدوائية أحد أبرز التحديات. فصناعة الأدوية عالميًا تعتمد على سلاسل توريد دولية وقد ظهر تأثير ذلك خلال أزمة كورونا وما بعدها.
لذا اتجهت الدولة إلى دعم مفهوم توطين صناعة الدواء بحيث لا يقتصر الأمر على إنتاج المستحضرات النهائية فحسب بل يمتد أيضًا إلى زيادة تصنيع الأدوية الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على الخارج وتشجيع الاستثمار في الصناعات الدوائية.
فيما يتعلق بنقص بعض المستحضرات الذي شهد اهتمامًا واسعًا من المواطنين خلال فترات مختلفة، أوضحت هيئة الدواء المصرية أن التعامل مع الأزمة اعتمد على المتابعة المستمرة للأرصدة والتنسيق مع الشركات المنتجة وتوفير البدائل العلاجية بالإضافة إلى تسريع إجراءات التسجيل لبعض المستحضرات المهمة.
كما شهد القطاع تطورًا في مجال الرقابة والحوكمة عبر استخدام النظم الرقمية لمتابعة حركة الدواء مما يساعد على إحكام الرقابة على مراحل الإنتاج والتداول وتقليل فرص سوء الاستخدام أو التداول غير المنظم.
لم يكن تطوير ملف الدواء منفصلًا عن التطور الأوسع في المنظومة الصحية المصرية حيث ارتبط بشكل مباشر بالمبادرات الصحية الكبرى وبرامج علاج الأمراض المزمنة والأورام ومنظومة التأمين الصحي الشامل. ومع توسع الدولة في برامج الكشف والعلاج أصبح توفير الدواء عنصرًا رئيسيًا لنجاح هذه البرامج خاصة أن علاج الأمراض المزمنة والأورام يحتاج إلى استمرارية في توافر البروتوكولات العلاجية والأدوية.
أكدت وزارة الصحة والسكان في بياناتها المتعلقة بالمبادرات الصحية أن توفير العلاج والمتابعة يمثل جزءًا أساسيًا من منظومة الرعاية المقدمة للمواطنين وليس مجرد مرحلة لاحقة للتشخيص.
على الجانب الاقتصادي تسعى مصر لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي لصناعة الأدوية مستفيدةً من حجم السوق المحلي والخبرات التصنيعية والموقع الجغرافي الذي يفتح فرصاً واسعة في الأسواق العربية والأفريقية. كما تعمل الجهات المعنية على دعم زيادة الصادرات الدوائية عبر رفع جودة الإنتاج وتحسين القدرة التنافسية للمصانع المصرية وزيادة فرص النفاذ للأسواق الخارجية.
رغم ما تحقق من خطوات تظل هناك تحديات رئيسية أمام القطاع أبرزها زيادة تصنيع المواد الخام محلياً ودعم البحث العلمي والابتكار الدوائي وتحقيق التوازن بين تكلفة الإنتاج وقدرة المواطن على تحمل أسعار العلاج.
في قراءة للمشهد خلال السنوات الماضية شهد ملف الدواء في مصر انتقالاً من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء منظومة أكثر تنظيمًا تعتمد على وجود جهة رقابية متخصصة وصناعة محلية واسعة ورؤية تستهدف تعزيز الأمن الدوائي. ويبقى الهدف النهائي هو الوصول إلى منظومة تضمن للمريض المصري دواءً آمنًا وفعالاً ومتاحاً وفي الوقت نفسه تعزز قدرة الصناعة الوطنية على الإنتاج والتصدير والمنافسة إقليميّاً ودوليّاً.