هناك أحداث نتابعها كصحفيين ثم ننتقل إلى غيرها، فتظل قصاصاتها محفوظة في أرشيف الصحف. وهناك أحداث أخرى ترفض أن تكون مجرد مادة صحفية، لأنها تنجح في أن تصبح جزءاً من الذاكرة الشخصية لمن شهدوها. وكان اعتصام المثقفين في وزارة الثقافة في بدايات يونيو 2013 واحداً من تلك الأحداث الفاعلة. حيث تحول مبنى وزارة الثقافة في الزمالك إلى ساحة مزيج من الغضب والأمل، ومن الإيمان بأن الثقافة ليست هامشاً في حياة الأمم.
لم يكن أحد يتوقع أن يتحول مبنى حكومي، اعتاد الاجتماعات الرسمية والقرارات الإدارية، إلى فضاء مفتوح للقصيدة والموسيقى والنقاش والاحتجاج. ففي يونيو 2013، خرجت وزارة الثقافة من صورتها التقليدية لتصبح، على امتداد خمسة وعشرين يوماً، مكاناً اجتمع فيه كتَّاب وشعراء وفنانون ومسرحيون وصحفيون ومواطنون عاديون. جمعهم شعور واحد بأن الدفاع عن الثقافة لم يعد شأناً يخص المثقفين وحدهم، بل قضية تتصل بمستقبل المجال العام في مصر. هذا الملف لا يسعى إلى إعادة كتابة تاريخ تلك الأيام، ولا مراجعة أحداثها من موقع المؤرخ أو المحلل السياسي. إنه شهادة صحفية من الداخل، كتبت بذاكرة من عاشت التجربة لحظة بلحظة، وانتقلت يومياً بين الممرات والسلالم ومكتب الوزير لرصد ما جرى وتدوين ما قد لا تحتفظ به الأخبار أو البيانات الرسمية.
كنت أذهب إلى الوزارة بصفتى صحفية مكلفة بتغطية حدث، لكنني وجدت نفسي مع مرور الأيام أوثق تجربة يصعب اختزالها في خبر أو تقرير. كانت الوقائع اليومية تتجاوز ما يمكن أن تستوعبه العناوين، فيما كانت التفاصيل الصغيرة – التي لا تجد طريقها غالباً إلى صفحات الجرائد – تصنع المعنى الحقيقي لما يحدث. ومن هنا تبدأ هذه الشهادة؛ رحلة الخمسة والعشرين يوماً التي عشتها من الداخل، يوماً بيوم، ووجهاً بوجه، وحكاية بحكاية.
أولى الشرارات
لم تكن الساعات الأولى توحي بأن ما يجري أمام وزارة الثقافة سيصبح أحد أكثر المشاهد رسوخاً في ذاكرة الوسط الثقافي المصري. بدا الأمر في البداية احتجاجاً جديداً يضاف إلى سلسلة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في تلك الفترة. تجمع عشرات من الكتَّاب والفنانين والمثقفين أمام مقر الوزارة في الزمالك اعتراضاً على قرارات وزير الثقافة الدكتور علاء عبدالعزيز التي شملت تغييرات واسعة في قيادات المؤسسات الثقافية، ورأى أغلب المثقفين أنها تمهد لما وصفوه آنذاك بـ«أخونة» الوزارة.
في المقابل، كان الصحفيون والمصورون يتابعون المشهد في انتظار أية تصريحات أو بيانات. أتذكر أن الخبر انتشر سريعاً؛ مجموعة من المثقفين قررت الاعتصام أمام وزارة الثقافة. وكانت قفزات الموقف تصعد بسرعة تفوق قدرة أحد على متابعتها. ومع مرور الساعات بدأ المكان يكتسب ملامحه الجديدة؛ فقد تحولت الوزارة إلى فضاء مفتوح للنقاش والاعتراض والحلم. كان كل هتاف يزيد من رقعة المشهد، وكل اسم يصل إلى المكان يمنح الاعتصام امتداداً.
الموكب يعود إلى الخلف
جاءت لحظة التحول الحقيقية للاعتصام مع انتشار خبر اقتراب موكب وزير الثقافة الدكتور علاء عبدالعزيز من مقر الوزارة. وخلال دقائق ازدادت حدة الأجواء؛ فارتفعت وتيرة الحركة وترك كثيرون أماكنهم واتجهوا نحو الطابق الذي يقع فيه مكتب الوزير بينما انشغل آخرون بمتابعة الأخبار الواردة عن مسار الموكب.
في تلك اللحظات دخل الاعتصام مرحلة المواجهة المباشرة؛ كان واضحًا أن المحتجين يرفضون أن يدخل الوزير إلى مكتبه كأن شيئًا لم يحدث وأن وجودهم لم يكن مجرد رسالة احتجاج بل محاولة لفرض واقع جديد داخل الوزارة.
أتذكر أن الممر المؤدي إلى مكتب الوزير امتلأ بالمعتصمين خلال وقت قصير؛ اختلطت الهتافات بالأحاديث السريعة وراح الجميع يترقب اللحظة التي قد يظهر فيها الوزير. لم يكن هناك من يدير المشهد من منصة أو يصدر تعليمات ولكن حالة من التوافق غير المعلن تشكلت بين الموجودين؛ بدا كل شخص مدركًا لدوره وكأن الاعتصام بدأ يكتسب وعيه الجماعي.
ومع تزايد أعداد المحتجين أصبحت فكرة وصول الوزير إلى مكتبه أكثر صعوبة. ثم جاء الخبر الذي انتظره الجميع؛ موكب الوزير غير مساره وترددت وقتها معلومات بأنه عاد إلى مقر مجلس الوزراء.
لا أستطيع الجزم اليوم بكل التفاصيل التي صاحبت تلك اللحظة لكنني أذكر جيدًا وقع الخبر على الموجودين؛ فقد شعر المعتصمون أن حضورهم أحدث أثراً مباشراً وأن الاحتجاج الذي بدأ قبل ساعات قليلة نجح في فرض نفسه على المشهد.
المبيت الأول
مع اقتراب المساء طرح السؤال الذي لم يكن مطروحًا في الصباح: ماذا بعد؟ تزايدت أعداد المتضامنين والصحفيين والزائرين ولكن أحداً لم يكن يعرف على وجه اليقين ما إذا كان الاحتجاج سينتهي مع نهاية اليوم أم أنه سيتحول إلى اعتصام مفتوح. ثم بدأت الفكرة تتبلور؛ كانت هناك قناعة متزايدة بين الموجودين بأن مغادرة المبنى ليلاً تعني خسارة ما تحقق نهاراً ومن هنا جاء القرار: المبيت داخل الوزارة. بدا أن الجميع يدرك أن اللحظة استثنائية وتستدعي إجراءات استثنائية.
اضطررت أنا إلى مغادرة الوزارة مع حلول الليل؛ انتهى دوري المهني في التغطية اليومية لكن فضولي لم ينته وظللت على تواصل هاتفي مع الكاتبة الكبيرة فتحية العسال التي قررت البقاء وقضاء ليلتها هناك وعلمت منها أن المعتصمين بدأوا رحلة بحث عن أماكن للراحة داخل المكتب والممرات وأن الأرائك والمقاعد تحولت إلى أسرة مؤقتة أما هي فقد اختارت أريكة داخل مكتب الوزير لتقضي عليها ليلتها.
لقد مثل قرار المبيت الأول نقطة اللاعودة في الاعتصام وعندما أغلقت هاتفي في ساعة متأخرة من الليل لم تفارقني صورة فتحية العسال وهي تستعد للنوم على أريكة في مكتب الوزير.
صباح الاعتصام الأول
في الصباح عدت إلى الوزارة بصفتى الصحفية التي تحاول أن تلتقط ما تبقى من خبر الأمس ولكنني وجدت أن الأمر قد تمدد كثيرًا ولم يعد هناك فصل واضح بين الموظف والمعتصم وبين الزائر والمقيم؛ كل شيء بدا متشابكًا.
داخل الممرات بدأت علامات التنظيم الأولية تتضح فالأماكن التي كانت يوم أمس مسرحًا للفوضى والتدفق المفاجئ تحولت إلى شبكة لتفاصيل الحياة اليومية: من يصنع الشاي؟ من يحضر الإفطار؟ أين ينام من قرر البقاء؟
كنت أتابع المشاهد وأنا أحاول الحفاظ على مسافة الصحفى ولكن المسافة كانت تضيق شيئًا فشيئًا فالمكان نفسه كان يسحب الجميع إلى داخله ليس كأفراد من الخارج بل كجزء من تجربة كبيرة تتشكل في وجودهم.
حاولت حصر الأسماء لكن اكتشفت أن الحضور لم يعد قابلاً للاختزال في قائمة ولا عدد ثابت يمكن الإمساك به؛ كان التدفق مفتوحًا يتزايد مع كل لحظة حتى أصبح من الصعب الفصل بين من بدأ ومن انضم.
حين اختفت الفوارق
في قلب هذا السريان كانت هناك نواة لافتة من الأسماء التي أعطت الاعتصام ثقله الرمزي منذ لحظاته الأولى: وصل الكاتب الكبير بهاء طاهر والشاعر سيد حجاب وكثيرون بجانب عددٍ آخرٍ من الفنانين والمخرجين.
لكن ما كان أكثر دلالة هو طريقة امتزاج الأسماء الكبيرة بالآخرين داخل المكان فلم يعد هناك مركزي وهامشي؛ جلس الجميع في المساحة نفسها وتشاركوا التفاصيل اليومية ذاتها.
الاعتصام حياة يومية
ولدت الفكرة بعفوية؛ أحد الشعراء الحاضرين قرأ قصيدة بصوت مرتفع دون ميكروفون ولا منصة فقط كلمات تلقى بين المعتصمين لم يكن أحد يدرك أن هذا المشهد سيتكرر ويصبح هو الإيقاع اليومي للمكان ثم بدأت القصائد تتوالى ثم الحكايات ثم الأغاني.
في البداية كنت أبحث عن حدث اكتبه لكني لاحظت أن الحدث بدأ يتفكك إلى لحظات صغيرة لا يمكن جمعها تحت عنوان واحد.
روح الاعتصام تسير إلى الخارج
مع مرور الأيام بدأ شيء يتسلل إلى روح المكان وسكانه؛ السلالم مزدحمة والفعاليات مستمرة لكن المزاج العام كان يتحرك بسرعة نحو منطقة أكثر توترًا وثقلًا بعدما صار الاعتصام جزءًا من مشهد عام أكبر بكثير من حدود وزارة الثقافة.
لم يعد ما يحدث داخل المبنى منفصلًا عن الشارع وكانت الأخبار تتسرب من الخارج إلى الداخل لإعادة تشكيل طريقة الحديث والنقاش والتوقعات; كان هناك إحساس متزايد بأن المكان لم يعد فقط مساحة للاحتجاج الثقافي بل أصبح نقطةً على خريطة وطنية تتحرك بسرعة.
بدأت اللغة تتبدل أيضًا; فبدلاً من كلمات تدور حول الثقافة والاستقلال ودور المؤسسة ظهرت مفردات أخرى تدريجياً مثل: الميادين والتغيير واللحظة الفاصلة.
صحيح أن هذا التحول لم يلغِ الطابع الثقافي للاعتصام لكنه وضعه داخل سياق أوسع لم يعد بالإمكان تجاهله.
الدعوة إلى الثلاثين من يونيو
بعد ذلك لاحظت أن النقاشات لم تعد تدور حول ترتيب تفاصيل الليالي الاعتصامية بل حول ما يحدث خارج الوزارة; كان هناك ترقب واضح وكأن الجميع ينتظر شيئاً كبيراً يقترب دون قدرة أحد على تفصيله.
كنت أتابع هذا التحول وأنا أكتب وأتوقف وأعيد النظر فيما أراه; لم يعد سهلاً الفصل بين ما هو ثقافي وما هو سياسي ولا بين ما هو يومي وما هو تاريخي; كل شيء بدا متداخلاً وكل تفصيلة صغيرة كانت تحمل احتمال كونها جزءاً مما هو أكبر لم يتضح بعد.
في الخارج كان الشارع يستعد لشيء لا يمكن حصره داخل حدود وزارة الثقافة وفي الداخل كان الاعتصام ينتظر ما هو آت.
وفي الأيام التي سبقت الثلاثين من يونيو مباشرة بدأ التعب يتسلل للاعتصام دون إعلان واضح; ولم يكن الأمر تراجعاً بل حالة طبيعية حين تطول اللحظة أكثر مما توقع أصحابها; بعض الحاضرين صاروا يمرّون على المكان ثم يغادرون سريعًا وآخرون بدأوا يوازنون بين البقاء والعودة لحياتهم اليومية
وانقطعت تقريبًا عن الذهاب للاعتصام بعد تلاشي شعوري بوجود نهاية فاكتفيت بالتواصل هاتفيًّا مع بعض المقيمين هناك للوقوف على آخر الأخبار; لا أستطيع القول إن الاعتصام فقد روحه لكنه فقد شيئًا مما حرارته الأولى
لكن ما حدث بعد ذلك كان مدهشاً حيث بدأ الخارج يفرض حضوره بقوة متزايدة; فالأخبار القادمة from الشارع كانت تملأ مصر والعالم وكانت الدعوات تتصاعد للتظاهر يوم 30 يونيو.
صباح الثورة
وجاء صباح الثلاثين من يونيو 2013 مختلفا منذ لحظاته الأولى ولكن ليس بالوضوح الذي يمكن الإمساك به فوراً بل بإحساس خفيف بأن اليوم ليس امتدادا طبيعيا لما قبله; كان هناك شيء داخل الوزارة يوحي بأن الإيقاع الذي اعتاده الجميع خلال الأيام الماضية يستعد للانتقال الى مكان آخر
وفي الداخل استيقظ الذين باتوا فى الاعتصام على أصوات حركة مبكرة وأحاديث قصيرة وخطوات سريعة فى الممرات ومحاولات لتجميع الأخبار القادمة from الخارج; لم يكن أحد يقولها بصراحة لكن الجميع كانوا يدركون أن هذا اليوم ليس كغيره
الوزارة التى تحولت خلال الأيام السابقة لمساحة مفتوحة للحياة الثقافية اليومية بدت فى هذا الصباح كأنها القاطرة التى وقفت فى أول المشهد.
الاعتصام يخرج الى الشارع
ومع اقتراب منتصف ظهر 30 يونيو كان شىء أكبر بكثير يتحرك فى ميادين مصر; ذهبت الى الوزارة كنت أتحرك داخل المكان كمن يحاول حفظ آخر تفاصيل صورة قبل أن تتغير بالكامل ولم يكن هناك مشهد ختامى واضح بل إحساس متراكم بأن التجربة التى امتدت أيام طويلة بدأت تنسحب بهدوء from المكان الذى احتواها
لم يكن الخروج from وزارة الثقافة الى ميدان التحرير حدثا يمكن تحديد لحظته بدقة بل سلسلة مغادرات صغيرة تشبه انطفاء ضوء فى غرفة كبيرة لا ينطفئ دفعة واحدة بل يتراجع تدريجيًّا حتى يترك المكان فى هدوئه الكامل.
أغلقت الوزارة أبوابها بعد ذلك كما كانت تفعل كل يوم ولكن الذين عاشوا تلك الأيام يعرفون أنه ظل شيئٌ مفتوح فيها; لم يعد الاعتصام قائمًا وعاد الموظفون الى مكاتبهم واستعاد المبنى روتينه غير أن الذاكرة بقيت تقيم هناك وكلما مررت أمام المبنى لا أرى فقط وزارة الثقافة بل أرى حكاية صارت جزءً مما تاريخ المكان.
(هذه شهادة صحفية تستند الى ذاكرتى الممتدة ثلاثة عشر عاماً الى الوراء وإلى ما دونته وعايشته خلال اعتصام المثقفين بوزارة الثقافة فى يونيو 2013 وخلال هذه السنوات ازدحمت ذاكرتى بأحداث عامة كبرى وأخرى شخصية تداخل فيها المهنى بالإنسانى والخاص بالعام فأصبحت بعض التفاصيل أكثر رسوخا بينما بهتت تفاصيل أخرى أو اختلط ترتيبها الزمنى لذلك لا أدعى اننى أعيد بناءً وثائقياً دقيقا لكل لحظة بقدر ماهى محاولة أمينة لاستعادة تجربة عشتها from الداخل كما بقيت فى ذاكرتى وكما احتفظت بها ملاحظاتي وما تركته تلك الأيام اثر وقد راجعت الوقائع والأسماء والتواريخ قدر الإمكان بينما تركت لذاكرتى ان تستعيد ما لا تحتفظ به الوثائق دائماً: الوجوه والأصوات والمشاعر وتفاصيل الحياة اليومية التى صنعت روح تلك التجربة).

