ألقت التفجيرات التي شهدتها دمشق خلال الساعات الماضية بظلالها على الزيارة التاريخية التي يجريها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا. فقد هزت الانفجارات العاصمة بالتزامن مع الزيارة، في تطور جاء بعد أيام من تفجير استهدف مقهى في حي الحجاز وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى، وإعلان السلطات إحباط محاولة هجوم أخرى. أعادت هذه الأحداث إلى الواجهة التساؤلات بشأن هشاشة الوضع الأمني في سوريا، ومدى قدرة الأجهزة الأمنية على مواجهة التهديدات المتصاعدة، وانعكاس ذلك على جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار واستكمال مسار الانفتاح الإقليمي والدولي.
وفي تصريح له لـ«أحداث اليوم»، أكد الدكتور رامي الخليفة العلي، الباحث السوري، أن هذه الحوادث ليست متفرقة، ولا شك أن هناك عملاً أمنياً وسياسياً يقف وراء هذه التفجيرات. فمصطلح الخلايا المتطرفة قد يشمل ميليشيات كردية تتبع الأسلوب نفسه، خصوصاً تلك التابعة لحزب العمال الكردستاني، الذي تعرض لخسارة كبيرة مع الإدارة السورية الحالية. كما يمكن الحديث عن بقايا النظام وفلوله الذين لا يزال لديهم أوراق أمنية واستخباراتية على الأرض، في ظل وجود قادة أجهزة استخبارات سابقين ما زالوا خارج سيطرة الحكومة. كذلك تبقى التنظيمات الإرهابية والراديكالية، وعلى رأسها تنظيم داعش، ضمن الاحتمالات، خاصة أنه يعلن حرباً ضد الإدارة الجديدة.
وأضاف العلي: «كل هذه السيناريوهات واردة، لكن هناك ميزتين أساسيتين تميزان التفجيرات الأخيرة. الأولى أن البصمات لا تبدو بصمات تنظيم داعش لعدم وجود انتحاريين، وكذلك لأن أهداف التنظيم السياسية عندما يوجه رسائل لا تأتي بهذه الصيغة. أما التفجيرات الأخيرة فكانت تحمل أهدافاً سياسية واضحة، وجاءت قبيل زيارة الرئيس الفرنسي وأثناءها، بما يوصل رسالة مفادها أن الوضع في سوريا غير آمن وأن فرنسا تتعجل بناء علاقات اقتصادية مع الإدارة الحالية».
وأوضح الباحث السوري أن الهدف السياسي يدفع للاعتقاد بأن جهات سياسية تقف خلف التفجيرات وليس بالضرورة تنظيم داعش، مع عدم وجود ما ينفي بشكل قاطع احتمال مسئوليته عنها. وبإجابة مباشرة، فهذه ليست حوادث متفرقة وإنما نشاط منظم يحمل أبعاداً سياسية وأمنية واستخباراتية.
وأكد العلي أن ما يحدث يمثل عراقيل أمام الانفتاح السوري ومعالجة الأزمات التي تعاني منها البلاد. كما تواجه الإدارة السورية خصوماً متعددين في الداخل والخارج. لكن في المقابل هناك دعم داخلي وتأييد من شرائح واسعة من المجتمع السوري للإدارة الحالية، إلى جانب دعم إقليمي من دول الخليج وتركيا ودعم دولي تجسد في زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إضافة إلى اللقاء المرتقب بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. لذلك يمكن القول إن هذه التطورات قد تؤخر عملية الانفتاح وإعادة البناء لكنها لن تلغيها ولن تمنع سوريا من تجاوز المرحلة السابقة والعودة للعب دورها المهم في الإقليم.
فيما أكد يعرب خيربك المحلل السياسي السوري أنه كان من المفترض أن تشكل زيارة ماكرون فرصة لتعزيز الانفتاح وإرسال رسائل طمأنة بشأن قدرة الحكومة على ضبط الأوضاع. إلا أن نتائج الزيارة جاءت عكسية تماماً حيث نشرت قدراً من الخوف وأضعفت الثقة بقدرة الحكومة على فرض الأمن خاصة أن أحد التفجيرين وقع بالقرب جداً من مقر إقامته وقبل خمس دقائق فقط من مغادرته.
وما يزيد من خطورة المشهد أن هذه التفجيرات جاءت بعد أسبوع حافل بالأحداث الأمنية إذ شهدت منطقة القصر العدلي في الحميدية تفجيراً أوقع عشرات الضحايا كما وقع هجوم على حاجز كشكول في ريف دمشق بإلقاء قنابل مما أدى إلى سقوط ضحايا من عناصر الأمن إضافة إلى اشتباكات على طريق حمص دمشق تخللتها عمليات إحراق لشاحنات نفطية بين مجموعات أمنية وأخرى قيل إنها تابعة للحكومة السورية أو للأمن العام نفسه.
كما تزامن ذلك مع تداول معلومات عن وفاة 35 من قيادات الجيش السوري الحالي خلال أشهر قليلة بحوادث قيل إنها ناجمة عن جلطات قلبية أو حوادث غامضة. كل ذلك يشير إلى احتمال وجود اقتتال داخلي أكثر من كونه تهديداً خارجياً لأن الوصول إلى هذه المعلومات وهذه المواقع في وقت كانت فيه الأجهزة الأمنية في أعلى درجات الاستنفار بسبب وجود رئيس دولة يعكس وجود اختراقات داخلية بحسب خيربك.
وأضاف المحلل السوري: لا يمكن استبعاد أن تكون هذه الأحداث جزءاً من ضغوط إسرائيلية خاصة أنها تتزامن مع تطورات كبيرة في درعا والمنطقة الجنوبية ومع تهديدات متكررة وربما تحمل أيضاً رسائل موجهة إلى تركيا من الجانب الإسرائيلي.
وتابع: هذه الأحداث أضعفت الثقة ليس فقط لدى السوريين وإنما أيضاً على المستوى الدولي وستكون لها آثار سلبية واسعة كما أنها تمثل ضربة لكل ما كان السوريون يعولون عليه من استقرار.

