كان من دواعي سروري وفخري أن أكتشف أن من بين زملائي في أول تجربة نيابية لي في مجلس الشيوخ، الذي أنهى دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الثاني قبل أيام برئاسة المستشار عصام فريد، قادة محاربين كانوا شبابًا مقاتلين في حرب أكتوبر. يحملون في عقولهم وقلوبهم جزءًا جليلاً وعزيزًا من تاريخ مصر في أزمنة انتصاراتها، وقد ساهموا في تأسيس حاضرها ويمهدون الآن لمستقبلها. كما قاموا بتضميد الجروح التي أثخنتها هزيمة 5 يونيو، حيث مهدت حرب الاستنزاف البطولية بجدارتها وكفاءتها لنصر أكتوبر، وأثبتت أنه لا مستحيل أمام من يملكون الإرادة الحرة. وقد وثقت القوات المسلحة بطولات هؤلاء بشهاداتهم الشخصية توثيقًا كتابيًا ومرئيًا ومسموعًا.

عندما يسألون، يتحدث هؤلاء القادة بتواضع جم وإنكار للذات، وثقة عالية ووعي كامل بتضحيات المصريين من أجل تحقيق ذلك النصر. بالإضافة إلى ما يمتلكونه من خبرة عميقة بالشؤون المصرية، وما يتحلون به من بصيرة ثاقبة تنفذ إلى ما جرى ويجري في بلادنا، حيث ترنو كثيرًا إلى ما يخدم مصالحها ومصالح مواطنيها.

أما الشعور الذي تملكني بالرضا، فهو يعود إلى اكتشاف جاء في وقته تمامًا، حيث تُجرى المحاولات المكثفة هنا وهناك لمسح الذاكرة الوطنية وتزييفها، والتقليل من شأن أمة كانت فجرًا لضمير البشرية ونورًا حضاريًا ومعرفيًا أضاء ظلام العالم. كم أنا محظوظة بهذه الصدفة السعيدة الرائعة التي منحني إياها الحياة.

كشف لي الدور الأول بوضوح بعض ملامح عضوية المجلس التي تتشكل من خليط من أعمار متباينة بين الرجال والنساء، ومن مواقع اجتماعية متفاوتة ووظائف مهنية متنوعة. تتجلى كفاءات يمتلك بعضها خبرات هائلة في مجالاتهم الوظيفية خلال النقاشات العامة وأعمال لجان المجلس المتخصصة. كما أظهر بجلاء الساعين بين أعضائه لجني مكاسب خاصة تدعم شركاتهم واستثماراتهم، ومن يجتهدون لخدمة مصالح عامة. ومن يعدون الحصانة النيابية فرصة لجني المكاسب وتعظيمها، ومن يؤمنون بأنها ضمانة دستورية تحمي النائب من أي ضغوط لممارسة دوره النيابي بحرية كاملة. ومن يرون فيها فرصة للظهور الإعلامي والدعائي، فيكررون ما سبق قوله ويساهمون ببراعة في إضاعة الوقت، بينما يوظف آخرون الوقت المتاح لإضافة جديدة بغض النظر عن مدى أهميتها.

ومن دواعي اعتزازي التي أقولها دون مبالغة أو تردد أو خشية من لوم، أن أداء معظم النائبات في هذا الدور قد تحلى بقدر عالٍ من الشجاعة والكفاءة والنزاهة بطرح جوانب المشاكل الحقيقية للمجتمع المصري كقضية التعليم على سبيل المثال لا الحصر، وتقديم أفكار لحلول ممكنة لتلك المشاكل والدفاع الدائم عن مصالح عامة.

يبدأ دور الانعقاد الثاني في الخريف القادم، ولعلّه يكون مفيداً إعادة النظر في منهج وطرق المناقشة خلال الجلسات العامة لمنح الوقت الكافي لمناقشة كل قضية بمختلف جوانبها. حتى لو تطلب الأمر مواصلة النقاش حولها على مدى عدة جلسات وأسابيع. يجب التحكم مسبقاً بعدد المتحدثين من النواب في كل جلسة وزيادة وقت المتحدث منهم إلى خمس دقائق بدلاً من ثلاث. كما ينبغي التدخل الحاسم لوقف منهج إضاعة الوقت الذي يتبعه بعض النواب لكي تتمكن قيادة المجلس وأمانته العامة من استخلاص النتائج الإيجابية دون ضغوط. وحتى لا يبدو أداء المجلس أمام الرأي العام وكأنه تسديد خانات ولا يشعر أحد داخل مجلس الشيوخ أو خارجه بأن القرار بشأن أي قضية قد تم تحديده سلفاً. والله على ما أقول شهيد.