في ليلة شتوية باردة، كنت عائدة من عملي في ماسبيرو إلى قريتي بمحافظة الفيوم. ومن عادتي الجلوس على أي مقعد بجانب الشباك، حتى لو كان الكرسي القلاب، وهو المقعد الذي يعرفه جيدًا كل من اعتاد ركوب الميكروباص، فقد تحمل الكثير من معاناة الجلوس عليه.

لفت نظري في الطريق سيارتان فارهتان تسيران خلف بعضهما البعض. إحداهما كانت تقل سيدة أنيقة تقرأ كتابًا في المقعد الخلفي، وبجانبها رجل أمامه جهاز لاب توب. دققت النظر في وجهه فوجدته وزير المالية السابق، الذي استضافه بودكاست في موقع مصراوي مؤخرًا. استغربت ما الذي جاء به إلى طريق الفيوم.

لم يطل استغرابي كثيرًا، فقد عرفت الإجابة من رفقاء الرحلة. كان الوزير يمتلك قصرًا قريبًا من بحيرة قارون، وانهالت الدعوات التي لم تكن له بل عليه.

استدعت ذاكرتي مشهدًا آخر أثناء مشاهدتي لقائه المصور الذي بدأ بقصيدة مدح في شخصه من المذيعة، مما أفقد الحوار موضوعيته ومهنيته بالنسبة لي. شعرت أن الحوار كان عبارة عن عملية تجميل للوجه بأسئلة باهتة بلا لون أو هوية.

تذكرت معاناتي ومعاناة أمثالي من قرارات الوزير، والتي طالت آباءنا وأمهاتنا من أصحاب المعاشات الذين لم يعرفوا حتى رحيلهم أين ذهبت أموالهم. وقد أرجع الوزير ذهابها إلى الوزيرة المختصة التي ردت عليه ردًا موجعًا على نفس الموقع.

لفت نظري في الحوار عدة نقاط سأشير إلى بعضها:
الأولى هي قوله إنه بعد غيابه عن الوطن لمدة تقارب الخمس عشرة سنة، شعر بأنه كان يعيش في صحراء جرداء ثم عاد إلى حديقة الوطن الغناء. والسؤال هنا: ما الذي منع عودته طيلة هذه المدة؟ ولماذا فرّ بعد يناير 2011؟

النقطة الأخرى هي قوله إن وزير المالية الحالي كان في استقباله بالمطار. هل ذهب الوزير الحالي بصفته الرسمية أم بصفة شخصية كأحد تلامذة الوزير الأسبق؟

النقطة الثالثة كانت عندما أبدى فخره بأن فكرة كارت الرواتب كانت محل شكر حار من المواطنين. ورغم إعجابي بالفكرة، إلا أنني أستغرب لقاء الوزراء بالعامة ومدى جدية الحوار بينهم.

أما النقطة الأخيرة فهي حديثه عن حب المواطنين له ممن يقابلهم في شوارع القاهرة الآن. وقد عبر عن افتقاده لزحامها وكأنه كان يسير فيها أو يستقل أتوبيس الهيئة. بينما الواقع الذي شهدناه هو أنها كانت تتوقف عن الحياة عند مرور الوزراء السابقين.

أعتقد أن الأجيال التي كانت شبابًا أيام تولي الوزير السابق باتوا مثلنا شيوخًا الآن بسبب الهموم التي نواجهها. ولم نكن على وفاق مع هذا الوزير العائد إلى البلاد والإعلام دون سابق إنذار.