أسرار صادمة كشفها أستاذ الطب النفسي وعلاج الإدمان عقب واقعة وفاة نزيل يتعافى داخل إحدى المصحات الخاصة بالعبور، وهي الواقعة التي دفعت “فيتو” للتحقق من تفاصيلها ومعرفة ما الذي يحدث داخل الغرف المغلقة بتلك المصحات، ومن يراقب عليها؟
الدكتور محمد فوزي عبد العال، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب جامعة أسيوط، أكد أن حادث وفاة شاب داخل مصحة علاج الإدمان بمدينة العبور لم يعد مجرد حادث يخضع لتحقيق جهات الاختصاص فقط، بل يفتح قضية رأي عام أكبر تتعلق بكيفية إدارة بعض منشآت علاج الإدمان، ومن يعمل داخلها، وحدود سلطة المشرفين على المرضى، ومدى احترامهم لكرامة وحقوق الإنسان في مكان العلاج.
هناك جرائم تحدث داخل مصحات علاج الإدمان
أوضح الدكتور محمد فوزي أن هناك تجاوزات تؤدي إلى جرائم داخل مصحات العلاج. ورغم أن تحديد أسباب الوفاة والمسؤولية الجنائية يبقى اختصاصًا أصيلًا لجهات التحقيق، إلا أن القضية من منظور الطب النفسي وعلاج الإدمان تطرح عشر نقاط شديدة الخطورة تستحق النقاش المجتمعي والمهني.
يعامل كسجين وليس مريضًا
أولاً، ينبغي أن يُعامل مريض الإدمان كمريض وليس كسجين. فاضطراب تعاطي المواد المخدرة هو حالة تتطلب تقييمًا وعلاجًا طبيًا ونفسيًا وتأهيليًا. دخول الإنسان إلى منشأة للعلاج لا يسقط عنه كرامته الإنسانية، ولا يمنح أي عامل أو مشرف سلطة إذلاله أو الاعتداء عليه أو استخدام العقاب البدني لضبط سلوكه.
العنف ليس علاجًا
وأشار إلى أن العنف ليس علاجًا للإدمان. الضرب والإهانة والتخويف ليست تدخلات علاجية. العلاج الحديث للإدمان يقوم على التقييم الطبي والنفسي وإدارة أعراض الانسحاب بصورة آمنة، والعلاج الدوائي عند الحاجة، بالإضافة إلى التدخلات النفسية والتأهيل ومنع الانتكاسة. وبالتالي فإن تبرير الاعتداء بسلوك المريض يمثل انحرافًا خطيرًا عن فلسفة العلاج.
من يختار ويراقب هؤلاء؟
وكشف أستاذ الطب النفسي أن عبارة “عشان مش جدع” التي جاءت على لسان المتهم تعكس قضية خطيرة تتعلق بالمشرفين. الرسائل المتداولة بشأن الواقعة تتضمن حديثاً منسوباً لأحد المشرفين حول الاعتداء على أحد النزلاء وتبريره بأنه “مش جدع”، مما يفرض سؤالاً مهنيًا بالغ الأهمية: من يختار المشرف الذي يتعامل يوميًا مع مريض الإدمان؟ وما مؤهلاته وتدريبه؟ وما حدود اختصاصه؟ ومن يراقب أداؤه؟
أخطر لحظات علاج الإدمان تحتاج إلى الطب وليس كمال الأجسام!
وعن أخطر لحظات علاج الإدمان، قال الدكتور محمد فوزي إن التعافي يحتاج إلى الطب وليس القوة البدنية أو أبطال كمال الأجسام. لأن أغلب المرضى يعانون أثناء الانسحاب أو نتيجة تأثير المواد من هياج أو ارتباك أو اضطرابات سلوكية أو أعراض نفسية وجسدية تستوجب تقييمًا طبيًا عاجلًا. التعامل غير المهني مع مثل هذه الحالات يمكن أن يحول موقفاً علاجياً قابلاً للسيطرة إلى حالة طبية طارئة وربما كارثة.
وزارة الصحة عليها التفتيش الدوري
وأكد أن الصور المتداولة تستوجب فحصاً رقابياً شاملاً؛ لأن تلك المشاهد تثير تساؤلات لا تتعلق فقط بمظهر المكان وإنما بمعايير الإقامة والنظافة ومكافحة العدوى وكثافة الإشغال والسلامة والخصوصية والكرامة الإنسانية. وهنا تصبح المعاينة الرسمية للمنشأة وملفاتها وتجهيزاتها وكوادرها ضرورة لحسم الحقائق بعيداً عن الاستنتاجات المبنية على الصور وحدها.
وكشف أن واقعة وفاة نزيل العبور تتعلق بملف أكبر من مصحة واحدة ولا يجوز تعميم الاتهامات على جميع مراكز علاج الإدمان؛ فهناك أطباء وفرق علاجية ومنشآت تعمل وفق الأصول المهنية والقانونية. ولكن واقعة بهذه الخطورة تستدعي مراجعة أوسع: هل كل المنشآت التي تستقبل مرضى الإدمان مرخصة؟ من المدير الطبي؟ هل يوجد طبيب وتمريض مؤهلين؟ ومن يبقى مع المرضى ليلاً؟ وما مؤهلات المشرفين الذين يحتكون بالنزلاء على مدار الساعة؟
ونصح أستاذ الطب النفسي بأنه يجب الفصل بين “المشرف” و”المعالج”. الخبرة الشخصية في التعافي يمكن أن تكون مفيدة ضمن برامج الدعم المنضبطة وتحت إشراف متخصص، لكنها لا تحول صاحبها إلى طبيب أو أخصائي نفسي ولا تمنحه صلاحيات التشخيص أو وصف الدواء أو ممارسة إجراءات علاجية خارج نطاق تأهيله.
على أسرة النزيل معرفة اسم الطبيب وتفاصيل المصحة
كما يجب أن تعرف الأسرة بوضوح: من الطبيب؟ ومن الأخصائي النفسي؟ ومن التمريض؟ ومن المشرف؟ وما اختصاص ومسؤولية كل فرد؟ الأسرة يجب أن تعرف ماذا يحدث بعد إغلاق باب المصحة. كما أنه من حق الأسرة معرفة الخطة العلاجية والطبيب المسؤول وآليات التواصل والإبلاغ عن الطوارئ والشكاوى وفق ما تسمح به القواعد المنظمة وحقوق المريض وسرية معلوماته.
وأضاف أنه ينبغي وجود آليات واضحة تمنع تحول العزلة العلاجية أو تقييد التواصل إلى ستار يمكن أن يخفي سوء المعاملة.
مطلوب مراجعة عاجلة لمنظومة الرقابة على المصحات العلاجية
وطالب الدكتور محمد فوزي عبد العال بضرورة تشديد التفتيش على منشآت علاج الإدمان والتحقق من التراخيص والكوادر ونسب الإشغال واشتراطات السلامة ومكافحة العدوى والسجلات الطبية وآليات التعامل مع حالات الهياج والطوارئ فضلاً عن وجود نظام واضح لتلقي شكاوى المرضى وأسرهم والتحقيق فيها.
وأشار إلى أنه لا ينبغي أن تكون الرقابة مجرد حملة عقب وقوع مأساة وإنما منظومة تفتيش ومتابعة مستمرة تستطيع اكتشاف الخلل قبل سقوط ضحية وليس بعده.
وطالب أستاذ الطب النفسي أصحاب المصحات بأن يكون هدف العلاج إعادة المريض إلى أسرته أكثر أماناً؛ لأن الهدف من علاج الإدمان ليس كسر إرادة الإنسان وإنما مساعدته على استعادة السيطرة على حياته. قد يكون المريض مضطرباً أو رافضاً للعلاج أو في حالة انسحاب أو هياج، لكن ذلك لا يبرر الاعتداء عليه أو إهدار كرامته.

