كان عباس جرجس متيمًا بالسيدة مريم عليها السلام، حتى أصبحت حياته مريمية. كان يشبه المجاذيب الذين يُشاهدون في موالد الأولياء؛ يتحدث أحيانًا بكلمات لا يفهمها إلا المقربون منه. كما كان بسيطًا في ملابسه وحياته اليومية، وزاهدًا في الطعام والشراب.

مع اقتراب شهر أغسطس، حيث يبدأ صيام السيدة العذراء مريم لدى الأقباط الأرثوذكس، تتجدد سيرة عباس جرجس المتيم بالحب المريمي وقصة ارتباطه بسيدة العفاف.

تُعتبر قصة ارتباط عباس جرجس بالسيدة مريم من القصص المتداولة عبر الأجيال في محافظة قنا. تتعلق التفاصيل بذلك الرجل النحيل الطيب الذي يتذكره جيدًا سكان بهجورة، وهو يجلس بمفرده في أركان الكنيسة، بجوار مصباح الكيروسين الذي يضيء له طريق عودته إلى منزله ليلاً. لقد بلغ به حبّه للسيدة العذراء أن أصبحت حياته مريمية.

وُلد عباس جرجس المعروف بلقب “الغالي” عام 1903 في قرية بهجورة التابعة لمركز نجع حمادي شمال محافظة قنا. حصل على هذا اللقب تقديرًا لدوره الخيري مع الأيتام والفقراء في بلدته.

بدأت قصة عباس الغالي عندما كان في الخامسة عشر من عمره، حيث دعا الله أن يبقى متبتلًا دون زواج وأن يكرّس حياته للصلاة وخدمة الفقراء. ورغم عمله لإعالة والدته وشقيقه المريض، بدأ جهاده لتهذيب ذاته منذ صغره.

في حياته، تجرد عاشق العذراء من كل ما يربطه بالدنيا ليعيش كراهب وسط العالم. عاش مع الفقراء واليتامى ليكون أبًا لهم.

في عام 1935، دعاه أبناء بلدته للانضمام لجمعية خلاص النفوس الخيرية وعهدوا إليه بأمانة الصندوق. كانت الجمعية تهدف إلى تقديم خدمات متنوعة مثل مكتبة للبيع والاستعارة ومساعدة الفقراء ومحاربة الخمور والمخدرات وندوات دينية ومسرحيات ثقافية هادفة.

استمر عباس جرجس الغالي في عمله الخيري بقرية بهجورة، ولم ينس والدته التي أصر على تعليمها القراءة والكتابة رغم تقدمها في العمر. وكان محبًا للتعليم رغم أنه لم يحصل سوى على الشهادة الابتدائية.

تعرّض عاشق العذراء لليتم في طفولته بعد وفاة والده، مما جعله يشعر بقسوة الزمن على اليتامى وكان مشروعه الأول هو رعايتهم وتربيتهم.

في أربعينيات القرن الماضي، باع الغالي منزله الصغير ودابته التي كان يستخدمها للتنقل بين بهجورة ونجع حمادي ليؤسس ملجأً لليتامى والفقراء وأقام معهم في حجرة بسيطة محاطة بسور من الطوب اللبن.

عاش عاشق العذراء 94 عامًا فخورًا بموهبته في الفقر وبجلبابه الأسود الذي يعكس جسده النحيل ورعايته للفقراء واليتامى. أسس مدرسة الاتحاد وجمعية العذراء ولا تزال أريكته الخشبية العتيقة تحتفظ بمكانها عند مدخل كنيسة العذراء ببهجورة، حيث يتذكر كل من يراها أحاديث الغالي.