لم تعد “مدينة العدالة” بالعاصمة الإدارية الجديدة مجرد مشروع عمراني يضم عددًا من المقار القضائية، بل أصبحت واحدة من أبرز حلقات تطوير منظومة العدالة المصرية. يأتي ذلك في إطار توجه الدولة نحو التحول الرقمي، وتطوير البنية المؤسسية، وتقديم خدمات قضائية أكثر سرعة وكفاءة للمواطنين.
يحتل المشروع مكانة بارزة ضمن الملفات التي تحظى بمتابعة القيادة السياسية، وهو ما تجلى مجددًا خلال اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والمستشار محمود حلمي الشريف، وزير العدل. تناول الاجتماع تطورات تنفيذ “مدينة العدالة”، بالإضافة إلى جهود تطوير الخدمات القضائية والتحول الرقمي وسرعة الفصل في الدعاوى.
اهتمام رئاسي بمدينة العدالة بالعاصمة الجديدة
الرسالة الأبرز التي يحملها المشروع هي أن إنشاء “مدينة العدالة” لا يقتصر فقط على توفير مقار حديثة للجهات القضائية، بل يستهدف تأسيس بيئة قضائية متطورة تجمع بين البنية الإنشائية والتكنولوجية في منظومة واحدة.
خلال الاجتماع الأخير لرئيس الجمهورية مع وزير العدل، تم التأكيد على متابعة معدلات الإنجاز والالتزام بالجداول الزمنية، مما يدل على أن المشروع يتحرك كجزء من عملية تحديث العدالة. يتم ذلك بالتوازي مع تعزيز التحول الرقمي وحماية البيانات والمعلومات، بما يدعم سرعة إنجاز الإجراءات ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمتقاضين.
جولات لوزير العدل لمتابعة مشروع مدينة العدالة
منذ توليه مسؤولية وزارة العدل، حرص المستشار محمود حلمي الشريف على المتابعة الميدانية للمشروع. بدأ بالوقوف على معدلات التنفيذ وتوسيع دائرة المشاركة لتشمل قيادات القضاء والجهات والهيئات القضائية.
فبراير 2026.. زيارة وزير العدل لمدينة العدالة بعد توليه منصبه
في 22 فبراير، أجرى وزير العدل جولة تفقدية بمدينة العدالة لمتابعة الموقف التنفيذي والتأكد من الالتزام بالجداول الزمنية المحددة لإنهاء الأعمال.
استمع الوزير خلال الجولة إلى عرض تفصيلي حول نسب التنفيذ في مختلف مكونات المدينة ومدى توافقها مع البرنامج الزمني المعتمد. وقد أظهرت المتابعة اهتمامًا بالتفاصيل وليس فقط بالشكل الإنشائي للمشروع ومراحله المختلفة.
أبريل 2026.. زيارة مجلس القضاء الأعلى وأكثر من 100 قاضٍ
في 22 أبريل 2026، أجرى وزير العدل جولة جديدة برفقة المستشار عاصم الغايش، رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى السابق، إلى جانب أكثر من 100 قاضٍ بمحكمة النقض وأعضاء نيابة النقض.
تحمل هذه الجولة دلالة مهمة إذ انتقلت المتابعة من مستوى التنفيذ الإداري للمشروع إلى مشاركة القيادات القضائية في التعرف على تفاصيل المدينة ومكوناتها باعتبارها بيئة العمل المستقبلية لعدد من المؤسسات والجهات القضائية.
أغسطس 2026.. نحو تكامل مؤسسات العدالة
في 9 أغسطس 2026، واصل وزير العدل جولاته التفقدية لمتابعة الموقف التنفيذي ومعدلات الإنجاز. شهدت هذه الجولة حضورًا لافتًا لقيادات هيئات قضائية مثل المستشارة هدى أحمد عيسى رئيسة هيئة النيابة الإدارية والمستشار عبد الناصر أبو العزم رئيس هيئة قضايا الدولة. يعكس ذلك اتساع نطاق المشروع ليصبح مظلة تجمع عددًا من مؤسسات العدالة في العاصمة الإدارية الجديدة.
كما استقل وزير العدل المونوريل خلال توجهه إلى المدينة، مما يعكس ارتباط المشروع بشبكة النقل الحديثة التي تخدم العاصمة الإدارية والتكامل بين البنية التحتية للمدينة الجديدة ومؤسساتها لتيسير الإجراءات على المتقاضين.
ماذا يوجد داخل «مدينة العدالة»؟
تضم المدينة مجموعة واسعة من المنشآت والمقار المخصصة للجهات القضائية، مما يجعلها تجمعًا قضائيًا متكاملًا وليس مجرد مبنى أو مجمع محاكم تقليدي.
تُقام “مدينة العدالة” على مساحة 51 فدانًا وتضم مجمعًا مركزيًا متكاملًا للمحاكم والهيئات القضائية يشمل محكمة النقض والمحكمة الدستورية العليا ومجلس الدولة والمجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية. كما تضم هيئة قضايا الدولة وهيئة النيابة الإدارية وهيئة القضاء العسكري وأكاديمية القضاة ومحكمة الأسرة والطفل والمحكمة الاقتصادية ومأمورية استئناف القاهرة والمركز الدولي للتحكيم.
تحتوي المدينة أيضًا على منشآت خدمية متطورة تشمل دار الضيافة ومسجد يتسع لنحو 500 مصلٍ وقاعات محاكمات كبرى مجهزة بأحدث الوسائل التقنية ومرافق متكاملة قادرة على استيعاب أكثر من 30 ألف مواطن يوميًا بخلاف العاملين بها.
كما تحتضن المدينة مكتبات قانونية متخصصة بما في ذلك مكتبة محكمة النقض بالإضافة إلى متحف قضائي يوثق تاريخ العدالة المصرية مما يعزز الوعي القانوني ويصون الإرث القضائي.
تستهدف مكونات المشروع توفير بيئة حديثة لمؤسسات العدالة تشمل مقار للجهات والهيئات القضائية ومحاكم متخصصة ومنشآت خدمية ومرافق مساندة بالإضافة إلى بنية تكنولوجية تتيح التوسع في تطبيقات العدالة الرقمية.
العدالة الرقمية.. الوجه الآخر للمشروع
يمثل التحول الرقمي أحد أهم الأبعاد التي تعطي “مدينة العدالة” قيمتها الاستراتيجية. يأتي المشروع بالتوازي مع خطوات أوسع لرقمنة الخدمات القضائية وربط الجهات والهيئات وتطوير آليات إدارة القضايا والبيانات مما يفتح المجال أمام تقليل الاعتماد على الإجراءات الورقية وتسريع دورة العمل القضائي.
اهتمام وزارة العدل بالتوسع في خدمات الشهر العقاري تيسيرًا على المواطنين
بالتوازي مع تنفيذ مدينة العدالة تتحرك وزارة العدل في عدد من الملفات المرتبطة بتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين. يشمل ذلك التوسع في خدمات الشهر العقاري والتوثيق وزيادة الاعتماد على سيارات التوثيق المتنقلة وتطوير الخدمات الإلكترونية بالإضافة إلى إجراءات تستهدف دعم سرعة الفصل في الدعاوى وتيسير حصول المواطنين على الخدمات العدلية.
تتزامن هذه التحركات مع الاستعداد لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد مما يجعل عام 2026 مرحلة مهمة في إعادة تنظيم وتحديث عدد من مسارات العمل داخل منظومة العدالة.
مدينة العدالة.. عنوان مرحلة جديدة من التطور الرقمي بالمنظومة القضائية
بينما تمثل “مدينة العدالة” أحد أبرز مشروعات تحديث البنية المؤسسية للقضاء تأتي “استراتيجية العدالة الرقمية الموحدة” لتمنح هذا التحديث بُعدًا أكثر شمولًا تقوم على ثلاثة محاور مترابطة: مقار قضائية حديثة وبنية رقمية موحدة وتشريعات تواكب العصر.
Aأمن المعلومات وتطبيق معايير الأمن السيبراني
تضع الاستراتيجية أمن البيانات في مقدمة أولوياتها عبر تطبيق معايير الأمن السيبراني وحماية قواعد البيانات القضائية وضمان سرية المعلومات وخصوصية المتقاضين. ولا تتوقف الاستراتيجية عند ميكنة بعض الخدمات بل وضعت مسارًا ثلاثيًا للوصول إلى منظومة عدالة رقمية متكاملة.
المرحلة الأولى: تأسيس وربط الجهات القضائيةتبدأ بإنشاء البنية التحتية الرقمية الموحدة وربط الجهات والهيئات القضائية وتحقيق التكامل بين قواعد بياناتها وإطلاق المنصة الرقمية الموحدة..(المرحلة الثانية: رقمنة الإجراءات والخدمات)تستهدف الميكنة الكاملة لدورات العمل الداخلية داخل الجهات والهيئات القضائية وإتاحة الخدمات القضائية والإدارية إلكترونيًا بما يوسع نطاق الخدمات التي يمكن الحصول عليها دون الحاجة للإجراءات الورقية التقليدية.
(المرحلة الثالثة.. الذكاء الاصطناعي والعدالة الذكية)وتنتقل المنظومة إلى مستوى أكثر تقدمًا تحت مسمى «العدالة الذكية والتكامل الشامل»، عبر استهداف استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات التحليل القانوني وصولاً لمنظومة رقمية متكاملة خالية من المعاملات الورقية في مختلف مراحل التقاضي.

