أكدت ولاء عبد المرضي الحصري، الباحثة في الشؤون الإسرائيلية الحديثة والمعاصرة، أن قطاع غزة يشهد تصعيدًا عسكريًا متزايدًا، مما يؤدي إلى تزايد أعداد الضحايا المدنيين وتدمير الأحياء السكنية والبنية التحتية والمرافق الحيوية. هذا المشهد يعكس استمرار اعتماد القوة العسكرية كأداة رئيسية لتحقيق أهداف سياسية وأمنية مزعومة تتجاوز الإطار المعلن للعملية العسكرية الصهيونية. بينما تؤكد الحكومة الإسرائيلية أن عملياتها تستهدف القضاء على القدرات العسكرية لحركة حماس، إلا أن هناك العديد من الدوافع الاستراتيجية والسياسية الأوسع التي تفسر إصرار حكومة الاحتلال على مواصلة العمليات رغم الانتقادات الدولية المتزايدة.
إعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بقطاع غزة
وأضافت عبد المرضي في تصريح لـ”فيتو” أن أحد أهم أهداف الحكومة الإسرائيلية يتمثل في إعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بقطاع غزة، من خلال إضعاف البنية العسكرية للفصائل الفلسطينية إلى أقصى حد ممكن، وتقليص قدرتها على إعادة بناء قوتها مستقبلًا. ويأتي ذلك ضمن ما يُعرف في الفكر الأمني الإسرائيلي بمبدأ “استعادة الردع”، الذي يقوم على توجيه ضربات قاسية لإقناع الخصوم بأن تكلفة المواجهة ستكون مرتفعة للغاية.
حسابات سياسية داخلية تدفع لاستمرار العمليات العسكرية
وواصلت حديثها قائلة: إن استمرار العمليات العسكرية يرتبط أيضًا بحسابات سياسية داخلية، حيث تواجه الحكومة الإسرائيلية ضغوطًا متزايدة من أطراف الائتلاف الحاكم والتيارات اليمينية الصهيونية المتشددة التي ترفض إنهاء العمليات قبل تحقيق نتائج ملموسة. كما أن استمرار الحرب يمنح القيادة السياسية مساحة لتأجيل الخلافات الداخلية والأزمات السياسية التي كانت تشغل الرأي العام، مثل الانقسامات حول الإصلاحات القضائية ومسؤولية الإخفاقات الأمنية في عملية طوفان الأقصى وتجنيد الحريديم.
فرصة لإحداث تغييرات طويلة المدى
وقالت: إن هناك رؤية مستقبلية داخل بعض الأوساط السياسية الإسرائيلية تعتبر أن الحرب تمثل فرصة لإحداث تغييرات طويلة المدى في الواقع الجغرافي والديموغرافي داخل قطاع غزة. فقد صدرت عن بعض الوزراء وأعضاء الكنيست المنتمين إلى تيارات اليمين الصهيوني المتطرف تصريحات تدعو إلى تشجيع هجرة سكان القطاع أو إعادة فرض ترتيبات أمنية إسرائيلية أكثر تشددًا، وهي مواقف أثارت انتقادات واسعة باعتبارها تتعارض مع القانون الدولي.
وتوضح ولاء عبد المرضي أن صانع القرار الإسرائيلي يدعو إلى فرض واقع جديد يمنح الجيش الإسرائيلي حرية أكبر في تنفيذ العمليات داخل القطاع، مع إنشاء مناطق عازلة وتقليص ما تعتبره إسرائيل مصادر تهديد على حدودها الجنوبية. كما ترى المؤسسة الأمنية أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يضمن منع إعادة تسليح الفصائل الفلسطينية أو استعادة قدراتها العسكرية.
وتؤكد أن هناك العديد من منظمات الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الحقوقية الدولية تشير إلى أن استمرار العمليات العسكرية أدى إلى خسائر بشرية كبيرة بين المدنيين الفلسطينيين، وأثار اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. تأتي هذه الادعاءات مع الدعوات المتكررة لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ولكن إسرائيل لم تلتفت واستمرت في خططها وعملياتها دون توقف.
يمكن القول إن الإصرار الإسرائيلي على مواصلة العمليات العسكرية لا يرتبط بهدف واحد بل يعكس تداخل اعتبارات عديدة منها أمنية مزعومة وسياسية واستراتيجية. ويبقى المدنيون في قطاع غزة هم الأكثر تضررًا.

