لعل وعسى.
الأربعاء 08/يوليو/2026 – 01:03 ص .
أكدت قمة مجموعة العشرين الصناعية الكبرى الأخيرة في فرنسا تصاعد حالة عدم اليقين لدى معظم قادة العالم الذين تضرروا بشدة من الحرب على إيران، مع التصريح بعجزهم عن تخفيف الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الصدمات الجيوسياسية المتزايدة. وأدركوا أن الاعتماد على قيادة الولايات المتحدة لحل الأزمات لم يعد مضمونًا كما كان لفترة طويلة. وقد عبر وزراء المالية ومسؤولو البنوك المركزية الذين شاركوا في الاجتماعات عن ضيقهم من إقحامهم في كارثة اقتصادية جديدة بسبب أفعال ترامب مع إيران، التي أدت إلى غلق مضيق هرمز وتزايد حالة عدم الاستقرار المالي والاجتماعي في معظم دول العالم.
هنا جاء القرار المصري التاريخي بالاعتماد على الذات بعد مرحلة كانت ضرورية نسبيًا مع صندوق النقد الدولي. حيث أعلن الرئيس السيسي بدء العمل على إعداد “برنامج اقتصادي وطني شامل” يقود المرحلة التالية للاقتصاد، مؤكدًا أن هذا البرنامج يستهدف الانتقال من تثبيت الاستقرار إلى تحقيق نمو مستدام ينعكس مباشرة على مستوى معيشة المواطنين، وذلك ضمن حزمة من التوجيهات الاقتصادية والإدارية.
يجب أن نؤكد أن هذا الإعلان يُعتبر أول إشارة مباشرة من الرئيس إلى ملامح المرحلة الاقتصادية التالية بعد برنامج الإصلاح الجاري تنفيذه بالتعاون مع صندوق النقد، والذي شمل تحرير سعر الصرف وتشديد السياسة النقدية وإصلاحات مالية وهيكلية، بالإضافة إلى توسيع دور القطاع الخاص وبرنامج الطروحات الحكومية. ورغم اختلاف أسماء هذه الرؤى، إلا أنها ظلت تدور حول الأهداف نفسها تقريبًا، من تعزيز النمو الاقتصادي ورفع كفاءة المالية العامة وتحسين بيئة الاستثمار وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية.
حاليًا حصلت مصر في البرنامج القائم على 5.2 مليار دولار على 7 شرائح وتقترب من الحصول على شريحة جديدة بقيمة 1.6 مليار دولار بشرط اعتماد المجلس التنفيذي للصندوق على المراجعة السابعة وتأكيد التخارج الكامل للدولة لصالح القطاع الخاص، وهو أمر مطلوب ولكن بحدود لا تضر بأمن مصر القومي الذي بدأ يلوح في الأفق.
لذا لم يتوانَ الرئيس السيسي في تكليف الحكومة بإعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد التعاون مع صندوق النقد، بجانب الإسراع في تنفيذ برنامج تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية بما يعزز دور القطاع الخاص ويدعم النمو المستدام بالتوازي مع تعزيز أمن مصر القومي.
مما يجعلنا موقنين بأن نجاح مرحلة ما بعد انتهاء برنامج مصر مع الصندوق يتطلب بلا شك إطلاق برنامج اقتصادي وطني واضح المعالم يستند إلى ملامح المادة السابعة والعشرين من دستور مصر 2014، مع استكمال الإصلاحات الاقتصادية التي بدأناها وتعزيز دور القطاع الخاص وزيادة الاستثمار والإنتاج والتصدير بما يحافظ على ثقة المستثمرين ويقلل الاعتماد على التمويلات الخارجية.
يجب أن ندرك أنه إذا كانت الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية السابقة تتحدث عن إصلاح الاقتصاد وتحسين جودة الحياة وزيادة معدلات التشغيل والاستثمار ورفع مستويات النمو، إلا أننا يجب أن نصارح أنفسنا بأن مشكلتنا الكبرى طوال أكثر من سبعة عقود تكمن في غياب التنفيذ والاستقرار على برنامج واضح يمكن متابعته ومحاسبة الجهات المسؤولة عن تنفيذه.
وبالتالي فإن البداية تستلزم معرفة أن الحديث عن برنامج اقتصادي مصري وطني خالص لا ينبغي أن يعني القطيعة مع برنامج الصندوق بقدر ما يعني امتلاك الدولة لبرنامج تقوده بنفسها وتحدد أولوياته وفقًا لاحتياجاتها التنموية.
مع التأكيد الرئاسي بأن المرحلة المقبلة لا تتطلب إنتاج وثيقة خامسة أو سادسة، وإنما جمع هذه الوثائق في إطار موحد والإعلان عن الالتزام بتنفيذه حتى عام 2030.
وبالتالي فإننا نرى أن البرنامج الاقتصادي الوطني يجب أن يرتكز على محاور رئيسية تضمن استقرار السياسات واستمرارها بعيدًا عن تغير الحكومات، مع التركيز على زيادة الإيرادات من النقد الأجنبي. وهو ما سنتناوله في المقال القادم إن شاء الله.
رئيس المنتدى الاستراتيجي للتنمية والسلام.

