في الأسبوع الماضي، استقال كير ستارمار، الذي يتبنى التوجه الاشتراكي، من رئاسة الحكومة بعد أسوأ هزيمة لحزب العمال منذ عقدين في الانتخابات البلدية. في المقابل، حقق التيار الاشتراكي الديمقراطي المدعوم من عمدة مدينة نيويورك زهران ممدانى نجاحًا ملحوظًا في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس في ولاية نيويورك المقررة في نوفمبر المقبل، مما يعزز فرصه بشكل كبير ضد الحزب الجمهوري الذي يعاني من انخفاض شعبيته.

وفي مارس 2026، نجح تحالف اليسار في السيطرة على المدن الكبرى خلال الانتخابات البلدية الفرنسية، بينما سيطر اليمين المتطرف على المدن الصغيرة. وفي عدة عواصم أوروبية، يتقدم اليمين المتطرف خطوة ثم يتراجع لصالح أقصى اليسار أو اليسار الشعبي، ثم يعود المشهد لينقلب مجددًا.

المحصلة هي انقسام شديد بين شعوب أوروبا، تتراوح مشاعرها بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، مع تراجع شبه كامل للوسط والأحزاب التقليدية. ويعزى ذلك إلى التداعيات الكارثية للنيوليبرالية ومعضلة التصدي لها.

النيوليبرالية تتميز بثلاث بصمات رئيسية: سياسية، اقتصادية وثقافية. وتحرير هذه العناصر الثلاثة يؤدي إلى شكل متوحش من النيوليبرالية يحمل مزايا كبيرة إلى جانب كوارث أكبر. فعلى الصعيد الاقتصادي، بينما تكسر النيوليبرالية جميع الحواجز أمام زيادة الإنتاج والابتكار وتعاظم الثروة والملكية بلا حدود؛ فإنها تؤدي أيضًا إلى احتكار الثروة بيد مجموعة صغيرة من الأفراد والشركات وظهور طبقية خطيرة وتخفيض حاد للضرائب وهروب الأموال إلى الأسواق الخارجية.

أما على الصعيد السياسي، فإن وجود سقف غير محدود للحرية السياسية والاجتماعية قد يؤدي أحيانًا إلى فوضى سياسية شبه كاملة وظهور تيارات وحركات اجتماعية شاذة تُمنح الحرية الكاملة والدعم على حساب القيم الدينية والاجتماعية الراسخة. ففي كندا مثلًا، يتم دعم حركات المثليين من دافعي الضرائب على حساب النفقات الاجتماعية.

وفيما يتعلق بالثقافة، فإن الانفتاح والتسامح غير المحدود تجاه الآخر والهجرة ينتج عنه تدفقات هائلة من المهاجرين وحقوق تمييزية للأقليات تحت مسمى “تمييز إيجابي”، مما يعرض الهوية الوطنية لخطر كبير ويؤثر على المكتسبات الاجتماعية والاقتصادية للمهاجرين والأقليات على حساب المواطنين الأصليين بشكل مباشر أو غير مباشر.

وسط هذه المكتسبات والكوارث العظيمة للنيوليبرالية تظهر معضلة الناخب الغربي. فالناخب الغربي المتنوع الذي يعيش في مجتمع يختلف تمامًا عن الظروف التي كانت سائدة قبل عقدين يريد أن يحصل على بعض المكتسبات أو تجنب بعض الكوارث وهذا يبدو ضربًا من المستحيل.

الفقراء الذين يعانون بسبب الخلفيات اليمينية والدينية المحافظة يتطلعون إلى تيارات تعارض تمامًا الهجرة والانفتاح الاقتصادي وتوطين الصناعة ورفع الضرائب على الأغنياء وزيادة النفقات الاجتماعية ومحاربة التيارات الشاذة وغيرها.

بينما الأغنياء يسعون تقريبًا للعكس؛ حيث يدعمون سياسات تعارض الهجرة وحقوق الأقليات والتيارات الشاذة وخاصة المثليين. وبالتالي يبدو إيجاد سياسة توافقية ترضي هذا التباين الشديد شبه مستحيل. ومن المفارقات أن الرأسمالية المحافظة الدينية تعد من أكبر المستفيدين من العمالة المهاجرة الرخيصة.

يتجلى التباين الأكبر بين المتضررين ذوي الميول الاشتراكية وتياراتها؛ حيث تسعى مؤيدة أقصى اليسار وكثير منهم من المهاجرين والأقليات إلى سياسة هجرة مفتوحة وضرائب مرتفعة للغاية على الأغنياء وزيادة واسعة للنفقات الاجتماعية بينما يرفضون ليبرالية السياسة الاجتماعية التي تُعتبر المرتكز الرئيسي لليسار وخاصة أقصى اليسار.

الكثير من أنصار اليسار الأوروبي وكذلك تيارات يسارية عدة لا سيما الشعبوية المدافعة عن العدالة الاجتماعية تعارض بصورة علنية الهجرة لأنها تعتبر ضررًا كبيرًا على الهوية القومية.

ستكتفي المقالة بذكر مثالين لتباين هذه المعضلة؛ الأول هو ترامب في الولايات المتحدة الذي حقق انتصارًا ساحقًا في الانتخابات السابقة نتيجة للتذمر الواسع غير المسبوق تجاه النيوليبرالية. ومن المفارقة أن قرابة نصف المهاجرين والأقليات قد صوتوا له.

لكن سرعان ما تبين أنه ليس فقط تجنب كوارث النيوليبرالية هو المطلوب بل أيضًا ضرورة تبني بعض مكتسباتها. وهذا ما تجلى بوضوح نتيجة التداعيات الاقتصادية الخطيرة للتعريفات الجمركية على الاقتصاد الأمريكي وانحياز ترامب للنخبة الاقتصادية وتجنبه رفع الضرائب واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء داخل النخبة الشعبوية البيضاء التي تمثل قاعدته الانتخابية بل حتى فشل خطة الترحيل الكبرى للمهاجرين مما ساهم في صعود شعبية اليسار الاجتماعي بقيادة زهران ممدانى خلال أشهر معدودة.

أما المثال الثاني فهو كير ستارمار في بريطانيا الذي حاول جاهدًا تطبيق عدالة اجتماعية ذات طابع اشتراكي ولكن انتهى به الأمر إلى فشل كبير؛ إذ لم يستطع إرضاء الأغنياء والفقراء معًا بسبب تطبيقه المتناقض خاصة فيما يتعلق بخفض الدعم عن الفقراء وفشله في معالجة قضية الهجرة التي وعد بالتصدي لها مما أكسبه أصوات الكثير من المحافظين وأسفر عن تقدم كبير لليمين المتطرف.

ونخلص من ذلك إلى السؤال: هل سيتمكن أي تيار سياسي مستقبلاً من إيجاد صيغة توافقية للنيوليبرالية في مجتمع غربي منقسم أساساً؟