أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن منظومة القيم ليست مجرد أخلاق متفرقة أو سلوكيات فردية، بل تمثل الركيزة الأساسية في بناء الإنسان وتشييد العمران. وأوضح أن القرآن الكريم قدَّم التزكية والأخلاق كجزء من عملية بناء الإنسان، لأنها الأساس الذي يقوم عليه العلم النافع. وأضاف أن المعرفة إذا انفصلت عن القيم قد تتحول إلى وسيلة للهيمنة والصراع بدلاً من أن تكون أداة لخدمة الإنسانية.

إعداد شخصية سوية قادرة على قيادة المجتمع نحو الريادة والتقدم

جاء ذلك خلال الندوة التثقيفية التي عقدها مفتي الجمهورية بمعهد إعداد القادة بحلوان أمام جمع كبير من طلبة الجامعات المصرية، بحضور د. كريم همام، مستشار وزير التعليم العالي للأنشطة الطلابية ومدير معهد إعداد القادة، ود. سيد بكري، نائب رئيس جامعة الأزهر، ود. حسام موافي رائد الطب الباطني وطب الحالات الحرجة. وأوضح المفتي أن القرآن الكريم ركز في المرحلة المكية على بناء الجانب الأخلاقي، لأن الأخلاق هي الأساس الذي تُبنى عليه المعارف والعلوم. وبين أن بناء الإنسان هو عملية متكاملة تشمل البناء التعليمي الذي يمكِّن الفرد من التمييز بين الصواب والخطأ، بالإضافة إلى البناء البدني والأخلاقي والسلوكي والديني الذي ينظم علاقة الإنسان بربه ونفسه ومجتمعه وسائر المخلوقات. وأكد أن الهدف من ذلك هو إعداد شخصية سوية قادرة على قيادة المجتمع نحو الريادة والتقدم.

الدين يمثل الإطار الحاكم والمنظم لحركة الإنسان في الحياة

وأوضح مفتي الجمهورية أن الدين يمثل الإطار الحاكم والمنظم لحركة الإنسان في الحياة، مشيرًا إلى أن “الدين لا يمنع وإنما يضبط”. وأضاف أن الشريعة تضع الضوابط التي تحفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال بما يحقق مصالح الإنسان ويوفر له بيئة مستقرة للإبداع والعمران. وشدد على أنه لا يمكن تحقيق بناء الإنسان إلا من خلال التكامل بين التربية والتعليم والأخلاق والدين، وأن الأسرة والمسجد والمدرسة والجامعة هم شركاء في صناعة الشخصية السوية وترسيخ منظومة القيم.

وفي حديثه عن وسائل التواصل الاجتماعي والتطورات التقنية الحديثة، بيَّن المفتي أن المشكلة لا تكمن في هذه الوسائل ذاتها وإنما في طريقة استخدامها. وحذر من المتاجرة بالكرامة الإنسانية أو السعي وراء الشهرة والمشاهدات و”التريند” على حساب القيم والأخلاق، لما يمثله ذلك من خطر على استقرار المجتمعات وتماسكها. وأكد على ضرورة تكامل الأدوار بين الأسرة والمؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية لترسيخ الوعي لدى الشباب.

ضرورة الحصول على المعرفة من مصادرها الصحيحة

وشدد مفتي الجمهورية على أهمية الحصول على المعرفة من مصادرها الصحيحة ومن أهل الاختصاص، مستشهدًا بقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. وأوضح أن أهل الذِّكر يشملون المتخصصين في مختلف العلوم والمعارف وليس علماء الدين فقط. وحذر من الاعتماد على المعلومات المتداولة عبر المنصات الرقمية دون تمحيص أو تدقيق لما يترتب على ذلك من نشر الشائعات وإثارة الفتن وإلحاق الضرر بالأفراد والمجتمعات. وأكد أنه يجب التعامل الرشيد مع المعلومات عن طريق التحقق من مصادرها والالتزام بالموضوعية والحياد والأمانة العلمية وعدم الانسياق وراء الأهواء أو المصالح الشخصية.

نجاح الخطاب الديني مرهون بقدرته على مخاطبة الناس بلغة يفهمونها

وفي معرض رده على أسئلة الحضور، شدد المفتي على أن نجاح الخطاب الديني مرهون بقدرته على مخاطبة الناس باللغة التي يفهمونها وتناسب أدواتهم المعرفية سواء كانت لغة العقل أو العاطفة أو العلم. وأشار إلى أن القرآن الكريم خاطب الناس بأساليب متعددة تراعي اختلاف مستوياتهم الفكرية واحتياجاتهم الإنسانية.

كما تناول قضية الذكاء الاصطناعي مؤكدًا أنه يمثل أداة مهمة يمكن الاستفادة منها في مختلف المجالات، لكنه يظل معتمدًا على البيانات التي يُغذَّى بها. ومن ثم يجب أن يبقى الإنسان هو الحاكم والموجِّه لهذه التقنيات حتى لا تتحول إلى أداة تؤثر في حريته أو تنتقص من دوره الذي كرمه الله به. وشدد المفتي على ضرورة الحفاظ على التوازن الإنساني والأخلاقي في التعامل مع التكنولوجيا الحديثة.

واختتم مفتي الجمهورية كلمته بالتأكيد على أن بناء مجتمع واعٍ ومستقر يبدأ ببناء شخصية متوازنة قادرة على التمييز بين الحق والباطل والصواب والخطأ. وأن هذا الهدف لا يتحقق إلا من خلال تكامل أدوار الأسرة والمؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية وترسيخ الرقابة الذاتية والقيم الأخلاقية التي تدفع الإنسان إلى فعل الخير والابتعاد عن الشر بما يسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا واستقرارًا وقدرةً على مواجهة تحديات العصر.