أكد الدكتور إبراهيم نجم، المستشار العام لمفتي الجمهورية، والأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن مواجهة المستجدات والنوازل الفكرية لم تعد خيارًا أو نشاطًا مؤسسيًا إضافيًا، بل أصبحت ضرورة تفرضها التغيرات السريعة التي يشهدها العالم. وتأتي هذه الضرورة في ظل الانتقال السريع للأفكار والشبهات والفتاوى عبر الحدود، مما يستوجب تفعيل العقل الجماعي، والعمل المؤسسي المنظم، والتنسيق الدولي الذي يجمع بين أصالة المرجعية ودقة فهم الواقع.

ورشة «النوازل العقدية في الفكر المعاصر وموقف الإسلام منها»

جاء ذلك خلال ورشة عمل بعنوان «النوازل العقدية في الفكر المعاصر وموقف الإسلام منها»، حيث استهل الدكتور إبراهيم نجم كلمته بتوجيه الشكر إلى فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم. وأثنى على جهوده في تنظيم الورشة وما يبذله من عمل علمي ومؤسسي لتعزيز رسالة الإفتاء ومواكبة أسئلة العصر وتحدياته. كما أعرب عن تقديره للمشاركين والقائمين على تنظيم اللقاء، معبرًا عن أمله في أن تمثل الورشة خطوة جديدة نحو مزيد من التعاون والتكامل بين المؤسسات الإفتائية.

وأوضح د. نجم أن الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم تعمل كالمظلة العالمية الوحيدة التي تجمع المؤسسات والهيئات الإفتائية، من خلال توفير منصة للتشاور وتبادل الخبرات وتنسيق الجهود وبناء مواقف علمية رشيدة تجاه القضايا المشتركة. وأكد أنها لا تستهدف إلغاء خصوصية المؤسسات الوطنية، بل تسعى لتحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة وبناء مساحات مشتركة تعزز كفاءة الأداء الإفتائي وترسخ الوعي والمسؤولية.

استراتيجية الأمانة العامة في مواجهة المستجدات الفكرية

وأشار إلى أن استراتيجية الأمانة العامة لمواجهة المستجدات الفكرية تقوم على خمسة محاور رئيسة، يأتي على رأسها الرصد والتحليل. وأكد أن التعامل الرشيد مع أي ظاهرة يبدأ بفهمها بشكل علمي دقيق، من خلال دراسة نشأتها وتحليل أدوات انتشارها ورصد آثارها وسياقاتها. وهذا يمكّن المؤسسات الإفتائية من الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق ومن معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب.

وأضاف أن الرصد لم يعد مقتصرًا على الكتب ووسائل الإعلام التقليدية بل امتد إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي وما تفرزه من مفاهيم وأسئلة وشبهات وأنماط تدين جديدة. وأكد أن التحليل الحقيقي لا يكتفي بوصف الظاهرة أو إدانتها بل يكشف أسبابها ويحدد الفئات الأكثر تأثرًا بها ويدرس أبعادها النفسية والاجتماعية والمعرفية، مما يجعل الرصد المبكر بمثابة منظومة إنذار فكري تعزز جاهزية المؤسسات الإفتائية.

وبين الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم أن بناء قدرات العلماء والباحثين المتصدين للنوازل الفكرية والشرعية يمثل أولوية استراتيجية للأمانة العامة. حيث يحتاج المفتي والباحث المعاصر إلى فهم التحولات الفكرية والإلمام بالمصطلحات الحديثة وإدراك مآلات الأفكار والقدرة على مخاطبة مختلف الفئات مع امتلاك مهارات الحوار والتعامل مع وسائل الإعلام والمنصات الرقمية وتفكيك الشبهات بلغة تجمع بين الدقة والوضوح والتأثير.

وأن بناء القدرات لا يقتصر على تنظيم دورات تدريبية بل يستهدف إنشاء منظومة مستدامة للتأهيل العلمي والفكري والمهاري تعمل على تحديث معارف المتصدرين للفتوى وتطوير أدواتهم وتعزيز التواصل بينهم وبين نظرائهم في مختلف أنحاء العالم.

الدكتور إبراهيم نجم: التجاهل هو أحد أخطر التحديات أمام المؤسسات الدينية

وشدد الدكتور إبراهيم نجم على أن أحد أخطر ما قد تواجه به المؤسسات الدينية المستجدات الفكرية هو التجاهل أو التأخر في التعامل معها أو الاكتفاء بالإنكار المجمل. وأكد أن القضايا التي تشغل الناس لا تزول بالصمت وأن الأسئلة إذا تُركت دون إجابات علمية رصينة فإن فراغها ستملاه خطابات مضللة أو متطرفة من غير المؤهلين.

وذكر أن الأمانة العامة تبنَّت منهج الاشتباك الإيجابي الواعي مع القضايا عبر الحضور العلمي المسؤول وتشخيص الإشكاليات والاستماع إلى الأسئلة الحقيقية ثم تقديم المعالجة الشرعية والفكرية المناسبة. وأكد أن هذا النهج تجسد في المؤتمرات والندوات وورش العمل والإصدارات العلمية وإنشاء وحدات متخصصة لرصد الظواهر الفكرية وإنتاج المعرفة وتطوير أدوات المواجهة بحيث لا تكتفي الأمانة بإعلان المواقف بل تبني مسارًا متكاملاً يبدأ بالرصد والحوار والبحث وينتهي بإنتاج خطاب قادر على الوصول والتأثير.

التشبيك المؤسسي: ضرورة لمواجهة التحديات الفكرية المركبة

ولفت إلى أن التشبيك المؤسسي مع شركاء النجاح أصبح ضرورة لمواجهة التحديات الفكرية المركبة مثل التطرف والإلحاد واضطراب الهوية والتفكك الأسري وخطابات الكراهية وسوء استخدام التكنولوجيا. موضحًا أن هذا التشبيك يشمل دور وهيئات الإفتاء والجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات التعليمية والإعلامية والمنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني والخبراء والمتخصصين بهدف بناء مبادرات مشتركة قابلة للتنفيذ وتبادل الخبرات والمعلومات وتكامل الأدوار بما يعظم الأثر ويمنح الخطاب الإفتائي قدرة أكبر على الوصول والتأثير.

وأشار إلى أن التكامل المعرفي يمثل الركيزة الخامسة في مواجهة النوازل الفكرية مؤكدًا أن القضايا المركبة لا يمكن الإحاطة بها من خلال تخصص واحد بل تتطلب تعاونًا وثيقًا بين العلماء الشرعيين والمتخصصين في الاقتصاد والطب وعلم النفس والاجتماع والإعلام والسياسة والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي بما يضمن بناء الفتوى على تصور صحيح للواقع ويحقق سلامة التأصيل ودقة التنزيل ومراعاة المآلات.

وفي ختام كلمته أكد الدكتور إبراهيم نجم أن هذه المحاور الخمسة تشكل منظومة متكاملة؛ فالرصد يوفر المعرفة والتحليل يفسرها والعالم المؤهل يحسن توظيفها بينما الاشتباك الإيجابي ينقلها إلى ساحة الفعل والتشبيك يوسع أثرها بينما يضمن التكامل المعرفي دقتها وواقعيتها.