دخل لبنان مرحلة تنفيذ أوسع قانون للعفو العام منذ انتهاء الحرب الأهلية، بعد أن وقع رئيس مجلس النواب نبيه بري، مساء الجمعة، على مشروع القانون ليصبح نافذاً بعد إقراره في البرلمان وسط تجاذبات طائفية ومساومات سياسية معقدة.

يفتح هذا الإجراء الباب أمام إطلاق سراح ما يصل إلى ثلث نزلاء السجون المكتظة، حيث يتم تخفيض غالبية الأحكام الجنائية بمقدار الثلث، مما يُتوقع أن يسفر عن إطلاق سراح نحو 3000 سجين من بين حوالي 8500 محتجز في السجون اللبنانية.

ومع سريان القانون، تتجه السلطات القضائية والأمنية للإفراج الفوري عن الموقوفين قيد التحقيق دون محاكمات ممن أمضوا فترات زمنية محددة، إلى جانب السجناء الذين أتموا محكومياتهم وظلوا رهن الحبس لعجزهم عن سداد الغرامات المالية المفروضة بحقهم، فضلاً عن شمول العفو المباشر لمرتكبي جرائم وجنح محددة.

مساومات الطوائف: تراجع نفوذ حزب الله وتبدل موازين القوى

جاء تمرير القانون تتويجاً لصفقة سياسية بين القوى الطائفية؛ إذ قاد النواب والسياسيون السنّة حراكا مكثفا للدفع بالقانون، مستغلين التراجع الملحوظ في نفوذ حزب الله على الساحة اللبنانية بعد تعرضه لسلسلة ضربات عسكرية متتالية إثر حربين مع إسرائيل.

وطالب النواب السنّة بإنهاء ملف الموقوفين في قضايا أمنية، معتبرين أنهم وقعوا ضحية “توقيفات تعسفية” وحُرموا من المحاكمات العادلة طوال سنوات هيمنة الحزب السياسية والعسكرية على مفاصل الدولة وأجهزتها القضائية.

وعبّر النائب والمدير العام الأسبق لقوى الأمن الداخلي، أشرف ريفي، عن هذا التحول قائلاً: “عندما كان حزب الله يسيطر على البلاد، استخدم القضاء ضدنا نحن السنة. الآن نعيش مرحلة جديدة”.

وكان عدد من هؤلاء السجناء قد اعتُقلوا على خلفية توترات واشتباكات طائفية امتدت إلى الداخل اللبناني نتيجة الحرب السورية التي تدخل فيها حزب الله لدعم النظام السابق.

ويبرز في صدارة هذا الملف اسم الشيخ السني أحمد الأسير، المحكوم لدوره في مواجهات مسلحة ضد الجيش اللبناني بمدينة صيدا عام 2013؛ إذ أكد رئيس الدعم القانوني في “مركز سدار للدراسات القانونية” ومحامي الأسير، محمد صبلوح، أن بنود التخفيض الجديدة ستتيح للأسير مغادرة سجن رومية المركزي خلال عامين. وقد تداولت منصات إعلامية مقاطع مصورة توثق صيحات الابتهاج داخل السجن الأكبر في البلاد فور إقرار النص.

في المقابل، فرضت القوى السياسية الشيعية شروطها لتمرير العفو عبر إدراج بنود تضمن شمول المحكومين والموقوفين في قضايا تجارة وترويج المخدرات، والذين ينحدر غالبيتهم من بلدات ومناطق حدودية تقع ضمن النطاق الجغرافي لنفوذ تلك القوى، وفقاً لما أكده برلمانيون وحقوقيون لصحيفة “فايننشال تايمز”.

تباينات مسيحية: اعتراض عسكري وغياب التوافق

لم تقتصر المساومات على الثنائي السني والشيعي بل امتدت مفاعيلها إلى الساحة المسيحية؛ حيث ألمحت النائبة عن حزب القوات اللبنانية، غادة أيوب، إلى أن القانون قد يشكل مدخلاً لمعالجة ملف اللبنانيين غير المدنيين ومعظمهم مسيحيون الذين غادروا إلى إسرائيل عقب انسحاب جيشها من جنوب لبنان عام 2000. ورغم ذلك يبقى غامضاً كيفية تنفيذ ذلك قانونياً.

وعلى النقيض من موقف القوات المؤيد للقانون شهدت الجلسة البرلمانية انسحاب نواب حزب الله وكتلة التيار الوطني الحر المسيحي قبيل عملية التصويت.

وأثار إقرار القانون موجة استياء داخل المؤسسة العسكرية؛ حيث انتقد وزير الدفاع ميشيل منسي استبعاد قيادة الجيش عن المشاورات. مؤكداً أن المؤسسة تعرضت لـ”التغييب” وموجهاً رسالة اعتذار قائلاً: “أعتذر من عائلات الشهداء لم أتمكن من إيصال صوت الجيش”.

زنازين تحت الأرض: أزمة الاكتظاظ وعقم الحلول

يأتي العفو العام على وقع كارثة إنسانية مستفحلة داخل مراكز التوقيف؛ حيث كشف رئيس لجنة السجون في نقابة المحامين ببيروت، جوزيف عيد، أن حوالي 80% من نزلاء السجون اللبنانية هم من الموقوفين احتياطياً الذين لم تصدر بحقهم أحكام قضائية قط.

وقد وثقت تحقيقات ميدانية لصحيفة “فايننشال تايمز” واقع الاحتجاز داخل قبو مظلم بلا نوافذ تحت مبنى محكمة في بيروت شُيّد لاحتجاز المتهمين بضعة أيام على ذمة التحقيق إلا أنه تحول إلى معتقل دائم أمضى فيه موقوفون عاماً كاملاً في ظروف بالغة القسوة.

وحذر عيد من أن اللجوء إلى خفض العقوبات دون معالجة الجذور الهيكلية للأزمة عبر تعيين قضاة جدد وتسريع آليات التقاضي لن يحل المعضلة. مؤكداً: “سنعود إلى النقطة نفسها خلال عامين حتى مع وجود العفو”.

استنساخ تسوية 1991 وتكريس المحاصصة

من منظور علم الاجتماع السياسي والعدالة الانتقالية يرى باحثون ومحللون أن القانون الحالي لا يعدو كونه حلقة جديدة في سلسلة “المحاصصة الطائفية” اللبنانية التي ترحل الأزمات وتكرس الإفلات من العقاب.

وفي هذا السياق أوضح الباحث في “مركز كارنيجي للمشرق الأوسط” مهند حاج علي أن الخطوة تمثل “جزءاً من نظام المحاصصة الطائفية حيث تمتلك كل طائفة مجموعتها الخاصة من السجناء”. معتبراً أنها تتوج مسار الانهيار المزمن في المنظومتين القضائية والعقابية.

وحذر حاج علي من أنه لا يمكن الاستمرار بهذا النهج قائلاً: “توقيف الناس دون محاكمتهم ثم كنس الملف تحت السجادة عبر العفو العام”. ومن جانبه شبّه أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأمريكية عماد سلامة ما جرى بقانون العفو العام الصادر عام 1991 عقب انتهاء الحرب الأهلية التي امتدت 15 عاماً. مشيراً إلى أن تداعيات ذلك العفو لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على البلاد حيث تحول قادة الميليشيات والمشاركون في الجرائم آنذاك إلى طبقة حاكمة تدير الدولة ومؤسساتها حتى اليوم.

وأوضح سلامة أن التجربة اللبنانية تفتقر إلى المصالحة الوطنية الشاملة قائلاً: “لم تكن هناك مصالحة حقيقية قط. الماضي لا يزال حاضراً في أذهان الناس ولا توجد رواية تاريخية مشتركة بين الجميع.”.