تضرب جذور العلاقة بين ضفتي الخليج في أعماق التاريخ، متأرجحة بين مد وجزر، وفاق وصخب. لم تكن هذه العلاقة يوماً على وتيرة واحدة، بل صاغتها الجغرافيا السياسية بقدر ما شكلتها الأيديولوجيا. ففي مرحلة ما قبل عام 1979، ساد نوع من الهدوء الحذر والتعاون المستتر تحت مظلة كون إيران “شرطي المنطقة”، لكن الثورة الإيرانية قلبت الموازين وحولت التنافس الإقليمي إلى صراع اتسم بالضجيج العسكري تارة وبالحرب الباردة تارة أخرى. ومع ذلك، بقيت “شعرة معاوية” حاضرة في فترات الانفراج النسبي خلال التسعينيات، حين ساد منطق احتواء الأزمات وبدت الدبلوماسية قادرة على لجم طموحات الهيمنة وهواجس الأمن.

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في خضم الحرب الراهنة يتعلق بالدوافع والذرائع. فمن المنظور الإيراني، تمثل القواعد الأمريكية المنتشرة في دول الخليج تهديداً وجودياً وطوقاً من الحصار، بحيث ترى طهران في هذه القواعد خناجر موجهة لأمنها، مما يمنحها في عقيدتها العسكرية مبرراً لوصف ضرباتها بالدفاع الاستباقي والردع الضروري لتهديدات واشنطن. تعتبر إيران أن وجود هذه القوات هو الاستفزاز الأكبر الذي يمنع استقرار المنطقة ويجهض أي محاولة لبناء أمن إقليمي خالص.

على الطرف الآخر، ترى الدول الخليجية أن لجوءها للمظلة الأمنية الدولية لم يكن رغبة في استعداء الجار، بل نتيجة طبيعية لغياب الضمانات الأمنية عبر الغزو العراقي للكويت وتهديده لباقي دول الخليج، ثم تزايد التدخلات في الشؤون السيادية عبر الأذرع والفصائل المسلحة الإيرانية. فهذه القواعد هي درع ضروري للحماية وليست سيفاً للهجوم، وهي نتاج لفقدان الثقة في النوايا الإيرانية وليست سبباً أصيلاً في توتر العلاقة. هذا التضارب في المفاهيم هو الذي هدم جسور الثقة وجعل من الصدام الراهن نتيجة حتمية لسلسلة طويلة من سوء الفهم.

ومع استمرار اشتعال الجبهات، امتدت خسائر دول الخليج إلى عصب الحياة الاقتصادية، مما تسبب في نزيف مالي ضخم وتوقف تدفقات الاستثمار. بينما تدفع الولايات المتحدة ضريبة باهظة من هيبتها العسكرية وتكلفة حماية قواعدها التي صارت أهدافاً سهلة للصواريخ الدقيقة. مما يضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية لإعادة تعريف مفهوم الأمن. البحث عن من قطع هذه الشعرة يتطلب غوصاً في تعقيدات الحرب؛ حيث تشير الوقائع الميدانية إلى أن الطرفين تبادلا شد طرفي الخيط حتى انقطع. لكن المسؤولية السياسية تظل محل تجاذب بين مخاوف إيرانية من القواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة وبين مخاوف عربية مشروعة على السيادة والأمن القومي.

سجلت الأسواق خسائر تجارية بمئات المليارات من الدولارات، وهي مرشحة لأن تتضاعف إذا استمرت حالة الشلل في مضيق هرمز الذي انخفضت حركة الشحن فيه بنسبة بلغت 97%. والولايات المتحدة ليست بمنأى عن هذه الخسائر؛ فالضربات التي استهدفت القواعد الأمريكية كبدت واشنطن خسائر مادية تتراوح بين 25-35 مليار دولار حتى الآن وما زال العداد يعد. ناهيك عن الخسائر البشرية التي سُجلت بين صفوف جنودها والتي تقدر بمئات وربما آلاف القتلى والمصابين. هذه القواعد التي كانت تُعتبر يوماً عنصر ردع تحولت إلى أهداف سهلة للصواريخ الدقيقة، مما وضع الإدارة الأمريكية أمام مأزق ارتفاع تكلفة الحماية وتراجع القدرة على السيطرة دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة لا تُبقي ولا تذر.

الإجابة عن سؤال من الذي قطع شعرة معاوية ليست مجرد مسألة سياسية عابرة؛ بل هي أقرب ما تكون إلى عقدة درامية شكسبيرية تضع الكاتب والقارئ معاً في حيرة أمام مأساة لا يملك فيها طرف واحد الحقيقة المطلقة. حيث يبرع كل طرف في صياغة مبرراته مما يجعل البحث عن الجاني الحقيقي شبه مستحيل. بينما يغرق الجميع في تبرير مواقفهم يستمر الخيط في التمزق ويظل البحث عن المسؤول معلقاً؛ فالأزمة ليست وليدة لحظة طائشة بل نتاج تراكمات جعلت من التفاهم ترفاً ومن التصادم قدراً محتوماً. أمريكا تتمسك بشروطها التي تراها ضامنة لفرض هيمنتها التامة على المنطقة وعلى البترول، وإيران تصر على مطالبها التي تعتبرها حداً أدنى لسيادتها ووجودها.

أما عن مدى استعداد الأطراف للتفاوض من أجل إيقاف الحرب فإن النزيف الاقتصادي والعسكري الذي طال الجميع قد يمثل الدافع الأقوى للعودة إلى الطاولة؛ فدول الخليج باتت تدرك أن المظلة الأمريكية لا تكفي لمنع سقوط الصواريخ على مرافقها الحيوية وإيران تئن تحت وطأة حصار لم يعد يُطاق وأمريكا بدأت تضيق ذرعاً بخسائرها الاقتصادية. هذا الإنهاك المتبادل يجب أن يخلق لحظة نضج سياسي حيث يصبح البحث عن مخرج ضرورة.

وتأخذنا لغة الأرقام وتطورات الميدان إلى مشهد شديد القتامة؛ حيث أصبح مضيق هرمز منطقة محرمة دولياً. إن هذا الانسداد الملاحي لم يقطع شريان الطاقة العالمي فحسب بل وجه ضربة قاصمة لخطط التنمية في دول الخليج التي كانت تعول على سلاسل التوريد المفتوحة لبناء مدنها المستقبلية وتحويل اقتصاداتها بعيداً عن النفط. ومع توقف حركة الشحن بنسب قاربت الانعدام الكامل وجدت الموانئ العملاقة نفسها في حالة ركود إجباري مما كبد الميزانيات الخليجية خسائر تجارية غير مسبوقة.

وعلى الجانب العسكري فإن الحماية التي كانت توفرها منظومات الدفاع الجوي المتقدمة واجهت اختباراً قاسياً أمام تكتيكات الإغراق الصاروخي وهجمات المسيرات. فالخسائر التي لحقت بقواعد مثل العديد والظفرة لم تكن مادية فقط بدمار منشآت الرادار ومخازن الوقود بل كانت خسارة في مبدأ الردع ذاته وفي سمعة أمريكا وهيبتها؛ حيث وجدت واشنطن نفسها في موقف دفاعي مكلف يستنزف مواردها العسكرية والمالية دون القدرة على حسم المعركة أو تأمين حلفائها بشكل كامل فالقصف الجوي على إيران لا يحل المشكلة أما الغزو البري فمغامرة يصعب على صانع القرار الأمريكي تحمل تبعاتها مما دفع أمريكا لإعادة تقييم جدوى البقاء في قواعد باتت أهدافاً ثابتة وسهلة المنال أمام تكنولوجيا الصواريخ الإيرانية المتطورة.

إن المصالحة الخليجية الإيرانية لم تعد ترفاً بل ضرورة للبقاء وتعتمد على الانتقال من الأمن المستورد إلى الأمن التشاركي وحسن الجوار وبناء منظومة أمن إقليمي تعتمد على الشفافية العسكرية المتبادلة بدلاً من تكديس السلاح والقواعد الأجنبية. إن المخرج الوحيد هو تحويل القواعد العسكرية تدريجياً إلى مراكز تعاون أمني وإغاثي وربط المصالح الاقتصادية الإيرانية بالاستقرار الخليجي عبر مشاريع استثمارية مشتركة تجعل من الحرب خسارة للجميع ومن السلم مكسباً لا يمكن التنازل عنه؛ فاستعادة شعرة معاوية تتطلب تنازلات مؤلمة من كافة الأطراف قبل أن تتحول المنطقة إلى ساحة صراع أبدي تلتهم مقدرات الأجيال القادمة.

البحث عن المسؤول الحقيقي عما يجري حالياً لا يستقيم إذا حصرناه فقط ضمن دائرة الصراع الإقليمي العربي-الإيراني؛ فهذا النزاع رغم تعقيداته ومبرراته المتبادلة بات يُدار ضمن سياق أوسع تفرضه قوى خارجية. نحن أمام طرف ثالث يمارس دوراً استراتيجياً في إدارة التوتر حيث يجد الكيان الإسرائيلي أن استمرار الاستنزاف المتبادل بين دول المنطقة يمثل مصلحة حيوية تتجاوز الحسابات السياسية المباشرة.

حيث تدرك تل أبيب أن أي تقارب إقليمي مهما كان حذراً سيؤدي حتماً إلى خلق توازنات تهدد تفوقها النوعي؛ لذلك تقوم استراتيجيتها على تأجيج الفجوة بين العرب وإيران عبر استغلال الهواجس الأمنية المتبادلة وتحويل القواعد الأمريكية من أدوات للردع إلى منصات استنزاف تورط واشنطن في صراعات لا تخدم أمنها الوطني بقدر ما تخدم رؤية إسرائيل الكبرى.

بذلك يتحول الصراع من نزاع إقليمي على النفوذ إلى عملية تفتيت ممنهجة للقدرات الوطنية العربية والإيرانية على حد سواء؛ إن المقص الذي قطع شعرة معاوية هو حقيقة أداة بيد هذا الطرف الثالث الذي يخطط لأن تُبنى هيمنته الإقليمية على أنقاض الدول القومية المنهكة واستمرار هذا النزاع ليس مجرد حلقة في سلسلة الخلافات التاريخية بل هو المسار الذي يمهد الطريق أمام تفريغ المنطقة من عناصر قوتها لتبقى دولها كيانات مفككة تعجز عن فرض إرادتها أو تأمين سيادتها تجاه مشروع استيطاني وتوسعي لا يرى في استقرار الجوار سوى تهديد وجودي له.