حين يخرج زهران ممداني -عمدة مدينة نيويورك- ليصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه مجرم حرب، ثم يعلن في الوقت نفسه أنه لا يملك سلطة قانونية لتنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية إذا دخل مدينته، فإن القضية تتجاوز خلافًا سياسيًا أو موقفًا شخصيًا، لتضع العالم أمام سؤال ثقيل: من الذي يحكم العلاقات الدولية حقًا.. القانون أم القوة؟

لقد وُلد النظام الدولي على وعدٍ بألا يكون أحد فوق القانون، لكن الواقع كثيرًا ما يوحي بأن هناك من تُنفَّذ عليه الأحكام، ومن تُعطَّل عنده الأحكام، وأن العدالة قد تُبصر الضعيف وتعمى عن القوي. وإذا أصبح تنفيذ القانون رهينًا بإرادة أصحاب النفوذ، فهل بقي من القانون إلا اسمه؟

إن أخطر ما يواجه البشرية اليوم ليس اندلاع الحروب فحسب، بل اهتزاز الإيمان بفكرة العدالة ذاتها. فالعدل الذي يُجزَّأ ليس عدلًا، والقانون الذي يخشى الأقوياء ويشتد على الضعفاء ليس قانونًا، وإنما ميزان مختل فقد روحه قبل أن يفقد هيبته.

وقد جعل الإسلام العدل قيمةً مطلقة لا تعرف محاباة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. فالعدل لا يتغير بتغير الهوية، ولا يسقط أمام اعتبارات السياسة أو المصالح.

ولذلك قال النبي ﷺ: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.» إنها قاعدة خالدة: تبدأ الأمم في السقوط يوم يصبح أصحاب النفوذ فوق المساءلة.

ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.» فالعمران يقوم على العدل، لا على القوة، والملك قد يبقى مع اختلاف العقائد، لكنه لا يبقى مع الظلم.

إن المشكلة لم تعد في قضية بعينها، بل في الرسالة التي يتلقاها العالم كله: أن هناك من يملك من القوة ما يجعله بمنأى عن المحاسبة، وأن القانون يسري على الضعفاء أكثر مما يسري على الأقوياء. وحين تستقر هذه القناعة في وجدان الشعوب، تتصدع الثقة في المؤسسات الدولية، ويغدو الحديث عن العدالة أقرب إلى الخطب منه إلى الواقع.

لكن سنن الله لا تعرف الكيل بمكيالين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]، وقال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: 59]. فمهما طال ليل الظلم، فإن فجر العدل آتٍ, ومهما ظن قوم أنهم فوق القانون وفوق التاريخ, فإنهم ليسوا فوق سنن الله.

ويبقى السؤال الذي لا تستطيع المنظومة الدولية الهروب منه: كيف يُطلب من الشعوب احترام القانون إذا كان القانون نفسه يتردد كلما اقترب من الأقوياء؟ وكيف يُقنع العالم المظلومين بالإيمان بالعدالة إذا كانت العدالة تعرج كلما وصلت إلى أبواب أصحاب النفوذ؟

إن العدالة لا تكون عدالة إلا إذا استوت في ميزانها الأمم والأفراد, الأقوياء والضعفاء, الحلفاء والخصوم. وما عدا ذلك ليس إلا عدالة كسيحة, تسير على ساق واحدة, حتى تسقط تحت ثقل تناقضاتها.