كلما أطل عام مالي جديد، تعود ضريبة البورصة لتتصدر المشهد من جديد، وكأنها الحل السحري لسد فجوات الموازنة العامة. يتكرر السيناريو ذاته عامًا بعد آخر؛ تبحث الحكومة عن موارد إضافية، فتجد في سوق المال هدفًا سهلًا، رغم أن التجارب السابقة أثبتت أن الضغط على البورصة لا يصنع إيرادات مستدامة، بل قد يبدد فرصًا استثمارية يصعب تعويضها.

هذا العام، حسم الجدل الذي استمر سنوات بين ضريبة الأرباح الرأسمالية وضريبة الدمغة، وانتهى الأمر لصالح الأخيرة. صحيح أن هذا القرار أنهى حالة الضبابية الضريبية، لكنه لم ينهِ مخاوف المستثمرين الذين لا يزالون يتساءلون: هل أصبحت البورصة أداة لتمويل عجز الموازنة أم منصة لتمويل الاقتصاد؟

جاءت التعديلات الأخيرة على ضريبة الدمغة بعد اعتراضات واسعة من مجتمع سوق المال، الذي دفع ثمن التجربة السابقة عندما فُرضت الضريبة بمعدل 1.25 في الألف على عمليات البيع والشراء، مما أدى إلى تراجع السيولة وانكماش أحجام التداول بصورة واضحة. واليوم، ورغم خفضها إلى 0.5 في الألف لكل من البائع والمشتري و0.25 في الألف للتداولات اليومية، فإن المخاوف لم تتبدد، لأن المشكلة لا تكمن في نسبة الضريبة فقط بل في الرسالة التي تصل إلى المستثمر: كلما تعافت السوق، ظهر عبء جديد يحد من زخمها.

الأرقام نفسها لا تدعم هذا النهج. فالحصيلة التي حققتها ضريبة الدمغة خلال عامي 2018 و2019 بلغت نحو 3 مليارات جنيه، بينما تشير التقديرات الحالية إلى أن الإيرادات قد لا تتجاوز 1.6 مليار جنيه، وهي قيمة تظل محدودة إذا ما قورنت بما يمكن أن تخسره السوق من سيولة واستثمارات نتيجة ارتفاع تكلفة التداول.

ضريبة الأرباح الرأسمالية كانت تجربتها الأكثر دلالة؛ إذ لم تحقق سوى نحو 350 مليون جنيه مقابل تكلفة أكبر تمثلت في تراجع جاذبية السوق لدى شريحة من المستثمرين. وهذا يثبت أن تعظيم الإيرادات لا يتحقق دائمًا بفرض ضرائب جديدة بل ببناء سوق أكثر نشاطًا واتساعًا.

الحقيقة التي ينبغي التوقف أمامها هي أن البورصة المصرية لا تزال سوقًا ناشئة تنافس عشرات الأسواق الإقليمية على جذب رؤوس الأموال. وفي هذه المنافسة، لا ينتقل المستثمر إلى السوق التي تفرض عليه أعباءً أكبر بل إلى السوق التي تمنحه فرصًا أفضل وسيولة أعلى واستقرارًا تشريعيًا وضريبيًا.

إن التعامل مع البورصة باعتبارها مجرد بند إيرادات في الموازنة يمثل نظرة قصيرة الأجل؛ لأن السوق في جوهرها ليست ماكينة لتحصيل الضرائب بل محرك للاستثمار ومنصة لتمويل الشركات ورافعة للنمو الاقتصادي. وكل جنيه يتم تحفيزه داخل السوق يمكن أن يخلق قيمة مضافة وفرص عمل واستثمارات تفوق كثيرًا ما قد تحققه أي ضريبة مباشرة.

الرسالة التي يجب أن تصل إلى صانع القرار واضحة: إذا كانت الدولة تستهدف تعظيم حصيلتها الضريبية فإن الطريق الأقصر ليس فرض المزيد من الرسوم على سوق المال بل توسيع حجم السوق نفسه.

يا سادة.. البورصة لا تحتاج إلى جباية.. بل إلى رؤية. ولا تحتاج إلى قيود جديدة.. بل إلى محفزات جديدة. فالأسواق تُبنى بالثقة والثقة لا تُفرض بقرار ضريبي بل تُكتسب بسياسات مستقرة تعطي المستثمر سببًا للبقاء وليس دافعًا للرحيل.