كتب جبران خليل جبران في قصيدة «ويلات وطن»: “ويل أمة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تنسج”، مؤكدًا أن استقلال الأمم وسيادتها يرتبطان بقدرتها على إنتاج غذائها وصناعة احتياجاتها الأساسية.

تظل الصناعة في مصر ملفًا حائرًا يبحث عن مرفأ. فهي الحلم الذي تسعى الدولة لتحقيقه من أجل نهضة اقتصادية حقيقية، لكنها في ذات الوقت تواجه واقعًا متعثرًا يواجه تحديات بنيوية وهيكلية تجعلها بعيدة عن أن تكون القاطرة الحقيقية للنمو. تعكس حالة عدم الاستقرار في هذا القطاع ارتباكًا في الرؤية والتنفيذ، مما أفقد الصناعة المصرية قدرتها على التنافسية وتحقيق القيمة المضافة المرجوة. لن أتحدث هنا عن تجارب ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية أو التجربة التركية، بل سأركز على واقع الصناعة في مصر.

واقع الصناعة لا يرتقي إلى طموحات المواطنين والخبراء، حيث تشير البيانات الرسمية خلال السنوات الخمس الماضية إلى أن مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي لم تتجاوز حاجز الـ16% إلى 17% في أفضل الأحوال. يظل هذا الرقم بعيدًا عن الطموحات الوطنية التي تسعى للوصول إلى نسب أعلى بكثير، مما يعني أن الصناعة لم تتحول بعد إلى المحرك الأساسي للاقتصاد، بل ظلت محصورة بمعوقات تحد من توسعها.

تتجلى معوقات وإشكاليات الصناعة في محورين رئيسيين؛ الأول يتعلق بمدخلات الإنتاج، حيث تعاني المصانع من اعتماد مفرط على استيراد المواد الوسيطة وقطع الغيار. ومع أزمات توفير العملة الصعبة أو اضطرابات سلاسل الإمداد، تصبح العملية الإنتاجية مهددة بالتوقف. أما المحور الثاني فهو البيروقراطية؛ إذ لا تزال إجراءات إنشاء المصانع تتسم بالتعقيد رغم محاولات التيسير، حيث يواجه المستثمر متاهة من الموافقات تتطلب التعامل مع هيئة التنمية الصناعية والمحليات وهيئة البيئة والدفاع المدني وغيرها، مما يجعل الحصول على ترخيص نهائي رحلة شاقة ومكلفة ومحبطة.

من أكبر معوقات القطاع هو “تشتت الملف”؛ حيث تتوزع صلاحيات قطاع الصناعة بين جهات متعددة تفتقر أحيانًا للتنسيق مثل وزارة التجارة والصناعة ووزارة الاستثمار ووزارة المالية (من خلال الجمارك والضرائب) بالإضافة إلى هيئات الحكم المحلي. هذا التعدد يولد تضاربًا في القرارات ويجعل المستثمر المحلي في حيرة؛ ففي الوقت الذي تدعو فيه الدولة للاستثمار، يظل تعدد الرؤوس والارتفاع المضطرد في الضرائب والرسوم الجمركية على المعدات والخامات يشكل عبئًا تمويليًا يمتص سيولة الشركات بدلًا من ضخها في التوسع.

المستثمر المحلي هو “الترمومتر” الحقيقي؛ فهناك علاقة طردية وثيقة بين قوة الصناعة وجذب الاستثمار المحلي وليس فقط الأجنبي. فإذا شعر المستثمر ببيئة استثمارية مستقرة وتشريعات ضريبية عادلة، سيندفع للإنتاج. لكن ما يحدث حاليًا هو أن الأعباء الضريبية المتصاعدة وارتفاع الرسوم أضعفت قدرة المصانع على تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع، مما أبقى الباب مفتوحًا أمام الاستيراد لتعويض العجز وهو ما يضغط بدوره على ميزان المدفوعات.

تكمن خطورة استمرار “حيرة” ملف الصناعة في استنزاف الموارد وضياع فرص التوطين التكنولوجي. يبدو أن توفر مقومات النجاح من عمالة وموقع وأسواق غير كافٍ بمفرده؛ إذ يبقى الافتقار إلى “وحدة القرار الصناعي” وتوحيد الوعاء الضريبي والجمركي أزمة كبرى.

يتطلب الانتقال من مرحلة الشعارات إلى التطبيق قرارًا شجاعًا بتبني رؤية وإرادة حقيقية تحمي المستثمر الصناعي من التغيرات المفاجئة وتضمن استدامة سلاسل الإمداد؛ لكي تتحول الصناعة من مجرد ملف حائر إلى حجر الزاوية في الاقتصاد المصري.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع.