تعتبر كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم، حيث تمنح الشعوب لحظات من الفرح الخالص بعيدًا عن صخب السياسة وصراعاتها. ورغم ما يشهده العالم من صراعات دامية، وانتهاكات اتفاقات الهدنة الأمريكية – الإيرانية – الإسرائيلية، إلا أن فعاليات ومباريات كأس العالم لا تتأثر بذلك، حيث لا يشعر بها أحد أو يهتم بمتابعتها. تبقى كرة القدم هي المحرك والبوصلة المؤثرة في جميع شعوب العالم، رغم اختلاف اللغات واللهجات والألوان والديانات والأعراف، إذ تظل لغة كرة القدم مفهومة لدى الجميع. ومع ذلك، فإن ما شهدته بطولة كأس العالم الأخيرة أعاد طرح سؤال قديم ومتجدد: هل يمكن أن تبقى الكرة بعيدة عن السياسة؟ الواقع يقول إن أي تدخل سياسي في الرياضة يدفع الجماهير ثمنه، ويُفسد متعة المنافسة، مما يحول المستطيل الأخضر إلى ساحة لتصفية الحسابات ويضيع معه أحلام وطموحات شعوب بسيطة ترى في كرة القدم مجرد متعة.
عزيزي القارئ، لقد أثارت التدخلات السياسية التي صاحبت بطولة كأس العالم الحالية في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك الكثير من الجدل. ومن أبرز هذه التدخلات كانت مواقف وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أثرت على أجواء البطولة، مثل عدم السماح بدخول لاعبين معينين وسفر منتخبات إلى دول أخرى بدواعٍ غير مبررة. وآخرها تدخله لرفع عقوبة الكارت الأحمر التي تلقاها المهاجم الأمريكي فلورين بالوغون قبل مواجهة بلجيكا في الدور ثمن النهائي. كل هذه الأمور أكدت أن السياسة عندما تدخل الملعب تمنح كرة القدم “كارت أحمر”؛ فالجماهير جاءت لتشجع منتخباتها، لا لتتابع رسائل سياسية أو صراعات لا علاقة لها بالرياضة.
أما بالنسبة لمصر، فأنا فخور جدًا بما قام به منتخبنا الوطني وسعيد بالكلمات التي قالها الرئيس عبدالفتاح السيسي أثناء استقبال سيادته للمنتخب وإهدائهم كأس ودرع التقدير والاحترام والإجادة.
لكن دعني أقول إن البطولة بالنسبة لمصر انتهت بصفحة بيضاء مشرفة؛ فقد قدم المنتخب الوطني أداءً أعاد الثقة للجماهير ورفع سقف الطموحات، وأثبت أنه قادر على منافسة كبار العالم إذا توافرت له البيئة المناسبة. صحيح أن مشوار المونديال انتهى وستنتهي معه الاحتفالات، لكن السؤال الحقيقي يبدأ الآن: ماذا بعد؟
العبرة ليست في الاحتفال المؤقت بإنجاز ما، وإنما في البناء عليه. نحن بحاجة إلى دوري قوي وإدارة احترافية وقواعد حاكمة تضمن العدالة والتنافس ومنظومة متكاملة لا تعتمد على جيل واحد أو لاعب واحد بل تصنع أجيالًا متتالية قادرة على المنافسة في جميع البطولات.
لقد نجح حسام حسن وجهازه الفني في إعادة الروح للمنتخب ورفع سقف أحلام المصريين. لم يعد مقبولًا أن يكون مجرد الوصول إلى كأس العالم هو الإنجاز أو أن نظل أسرى ذكرى هدف مجدي عبدالغني في مونديال 1990 باعتباره الهدف الوحيد لمصر في تاريخ البطولة. الجماهير المصرية أصبحت تطمح إلى تجاوز دور المجموعات وتحقيق انتصارات وكتابة تاريخ جديد يليق باسم مصر وإمكاناتها.
انتهت البطولة لكن العمل الحقيقي يبدأ الآن. وإذا أردنا الحفاظ على ما تحقق فعلينا فصل السياسة عن كرة القدم وجعل مصلحة اللعبة هي الأولوية؛ لأن المنتخبات تُبنى بالتخطيط والبطولات تُحصد بالاستقرار بينما التدخلات السياسية لا تنتج إلا أزمات وتمنح كرة القدم دائمًا الكارت الأحمر.
وللحديث بقية ما دام العمر بقية.
المحامي بالنقض.
رئيس الهيئة البرلمانية لحزب أحداث اليوم بمجلس الشيوخ.

