عرفه علام.

الأربعاء 08/يوليو/2026 – 03:52 م 7/8/2026 3:52:23 PM .

خمس سنوات تفصل بين كلمتين: كلمة “أنا خادمكم” التي تُقال قبل الانتخابات وكلمة “لا أستطيع” التي تُسمع بعدها. في الديمقراطيات الراسخة، العلاقة بين النائب والناخب هي علاقة “وكالة ومساءلة”، أما عندنا فقد تحولت مع الأسف إلى علاقة “منّ وسلوان”. والحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة: النائب لم يصنع نفسه، الشعب هو من صنعه بصوته ومن صَنَع.. له حق المحاسبة.

هذا المقال ليس موجهاً لدائرة معينة أو لاسم بعينه، بل هو موجه لفكرة اسمها “النائب” ولضمير اسمه “المواطن”.

الأساس الدستوري والأخلاقي للمحاسبة
البرلمان ليس نادياً للوجاهة ولا قاعة لالتقاط الصور بل هو مؤسسة التمثيل الأسمى للشعب. النائب تحت القبة هو وكيل عن عشرات الآلاف يتكلم بلسانهم ويشرّع عنهم ويراقب باسمهم. والوكيل في الفقه والقانون يُسأل ويُحاسب ويُعزل إن خان أو قصر أو أهمل، فلماذا نستثني نائب الشعب من هذه القاعدة؟

إن راتب النائب وبدلاته ومخصصات مكتبه وحصانته وسيارته كلها تُقتطع من موازنة ومال هذا الشعب، ومن يدفع من ماله من حقه الأصيل أن يسأل: “أين أثر هذا المال؟ وأين مردود هذه الوكالة؟”.

وحين يصمت المواطن على نائب نائم خمس سنوات ثم يعود لينتخبه لمجرد أنه “ابن بلد” أو “عشرة عمر”، فهو شريك كامل في صناعة الفشل، فالديمقراطية تموت بصوت يُمنح لمن لا يستحقه.

أزمة “الموسمية” وانحراف الدور البرلماني
من أبرز أسباب الخلل في هذه العلاقة هي موسمية الظهور؛ فالنائب عند البعض لا يظهر إلا في موسمين اثنين: موسم الانتخابات وموسم العزاء! وما بينهما يختفي، ليتحول إلى مجرد رقم في كشوف الحضور لا صوتاً في كشوف الإنجاز والخدمات والتشريع.

لقد ظن بعض النواب أن دورهم “خدمي فقط”؛ مجرد واسطة في مستشفى أو توقيع على طلب تأشيرة، ونسوا أو تناسوا أن الدور الأصلي والدستوري هو “تشريعي ورقابي”: سن القوانين ومحاسبة الحكومة إذا قصرت ومراقبة أدائها. فمن لا يشرّع ولا يراقب لا يستحق لقب “نائب شعب”.

كيف يسمح ضمير النائب بخلق أسوار بينه وبين ناخبيه؟ سكرتارية حراسة مواعيد مغلقة وهواتف لا ترد خلقت الأسوار بين النائب ومن انتخبه، فصار الوصول إليه أصعب من الوصول إلى الوزير رغم أنه نائب عن هؤلاء الذين جُعلت الأبواب المغلقة في وجوههم وهذا نقيض جوهر التمثيل النيابي.

رسالتي إلى كل نائب: تقبّل النقد وتحمل المسؤولية
اسمعها من صاحب الصوت الذي أوصلك إلى قبة البرلمان؛ رأي الناس فيك ليس وقاحة بل هو أصل عملك. النقد والعتاب والسؤال المستمر: “لماذا تأخرت؟ لماذا قصرت؟ لماذا غبت؟ وأين أنت؟”.. هذه ليست إهانة لشخصك، هذه هي “فاتورة الوكالة” التي وقّعت عليها يوم أن ترشحت. فإن أديت واجبك كاملاً فلن يجرؤ أحد على اتهامك بالتقصير.

الناس لا تنسى من بنى لهم مدرسة ولا من وقف في البرلمان مدافعاً عن مستشفاهم ولا من فتح بابه وسمع شكواهم. الشعب ذاكرته وفية قوية يذكر المحسن بالخير ويذكر المقصر بالحساب. أما إن أديت نصف الواجب أو اختبأت خلف الأسوار أو غضبت من السؤال واللوم.. فلا تَلُمْ الناس بل لُمْ تقصيرك.

لأن الدائرة التي تراها اليوم “مزعجة بكثرة طلباتها” هي نفسها الدائرة التي حملتك على أكتافها إلى البرلمان بالأمس. الدائرة ليست عبئاً على النائب، بل هي سبب وجود النائب؛ لولا أصواتها ما جلست على هذا الكرسي ولولا ثقتها ما نطق لسانك تحت القبة. فمن الظلم أن ترى من صنعك خصماً ومن الوفاء أن تراه رقيباً وأميناً.

النائب الذي يغضب من محاسبة شعبه هو نائب يعرف في قرارة نفسه أنه مقصر. أما النائب العامل فصدره رحب وبابه مفتوح ولسانه يقول دائماً: حاسبوني.. فهذا حقي عليكم وواجبكم نحوي.

ميثاق المساءلة: ماذا يطلب الناس من النائب؟
المواطنون لا يطلبون المستحيل بل يطلبون “أصول الوكالة”، وتتلخص في أربعة محددات واضحة:
1. الشفافية (تقرير سنوي علني): ورقة واحدة في نهاية كل عام برلماني يُعلن فيها النائب للرأي العام كم جلسة حضر وكم كلمة قال وكم استجواباً قدم وكم طلب إحاطة رفع عن ملفات الصحة والتعليم؛ الشفافية تقتل الشائعات وتبني الثقة.
2. الحضور (مكتب مفتوح بلا وساطة): تخصيص يومين ثابتين في الأسبوع لمقابلة المواطنين بلا معرفة مسبقة وبلا موعد معقد؛ النائب الذي يخشى مكتبه المفتوح يخشى محاسبة شعبه.
3. الصوت (رقابة لا مجاملة): حصانة النائب لم تُشرَّع لحماية شخصه بل لحماية صوته وهو يحاسب السلطة التنفيذية؛ فالنائب الذي يسكت عن تقصير وزير قد خان من أرسله ليراقبه.
4. الإنجاز (وعود موثقة لا شعارات): كل وعد انتخابي يجب أن يتحول إلى خطة زمنية معلنة؛ كلمة “سأفعل” لم تعد تكفي، الناس تريد: “فعلتُ وهذا هو الدليل”.

ماذا يجب أن يفعل الناخبون؟
mحاسبة النواب لا تكتمل بصوتهم وحده بل بوعي المواطن نفسه:
1. قاطعوا ثقافة “الكرتونة”: ارفضوا موسم شراء وبيع الأصوات؛ لا تَبَعْ مستقبل خمس سنوات بكيس سلع استهلاكية؛ فمن يشتري صوتك اليوم سيبيعك غداً.
2. وثقوا الوعود: كل وعد انتخابي صوّروه واحفظوه وقارنوا بينه وبين الواقع بعد عامين؛ الذاكرة الشعبية الموثقة هي أقوى سلاح ضد النسيان.
3. اجعلوا الصندوق أداة عقاب وثواب: انتخبوا بناءً على الإنجاز وعاقبوا بالإقصاء؛ لا تمنحوا الأصوات بناءً على العصبية أو القرابة أو المال السياسي؛ فمن لا يحاسب أمام الصندوق سيُحاسب بالندم طوال خمس سنوات.

إلى السادة النواب.. كلمة أخيرة
أيها السادة النواب الكرسي الذي تجلسون عليه هو إيجار مؤقت وعقد الإيجار بيد الشعب وحصانتكم هي درع مواجهة وليست جدار هروب وصمتكم عن الحق خيانة أمانة لا حكمة سياسية.
ولتكن قاعدتكم مع الناس تقبل نقدهم بصدر رحب لأن من ينتقدكم اليوم هو من أعطاكم ثقته بالأمس ولو أديتم الأمانة لتحول النقد إلى دعاء والعتاب إلى شكر والحساب إلى تجديد ثقة.
أمامكم خياران لا ثالث لهما إما أن تكونوا نواب شعب يكتب التاريخ أسماءهم بحروف من نور في قلوب أبناء دوائركم وإما أن تكونوا ضيوفاً ثقالاً على كراسٍ لا تستحقونها ويلفظكم الصندوق لفظ النواة؛ فمن لا يخاف محاسبة الناس في الدنيا سيخاف حساب التاريخ بعدها.
أيها المواطن صوتك ليس مجرد ورقة تُلقى في صندوق صوتك هو سلطة فاستخدمها للبناء لا للبيع وللحساب لا للصمت؛ فبالنواب الصادقين تُبنى الأوطان وبالمواطنين الواعين تُحرس.
أسئلة مشروعة لأي نائب في أي دائرة:
1. ما هو رصيدك الفعلي من أدوات الرقابة البرلمانية (استجواب طلب إحاطة سؤال للمسؤولين)؟
2. ما هي خطة عملك المكتوبة والمعلنة للدورة البرلمانية كاملة؟
3. كم ساعة أسبوعياً تخصصها فعلياً للقاء المواطنين البسطاء بلا واسطة أو حواجز؟
4. ما هو موقفك العلني المسجل تحت القبة من أبرز قضايا الصحة والتعليم والأجور؟
5. كيف ستقيم أداءك بنفسك أمام مرآة ضميرك بعد عامين من الآن؟