لا أفهم السبب وراء إعلان الحكومة عن قرارات وإجراءات دون تنفيذها على أرض الواقع. هل هناك انفصال بين رئيس الحكومة ووزرائه والعاملين في الوزارات والهيئات؟ أم أن الحكومة تسعى لتحسين صورتها من خلال الإعلان عن إنجازات وهمية وشكلية؟ لقد كتبت كثيراً عن ادعاء الحكومة المصرية بأنها حكومة ذكية، حيث تتحول إلى الرقمنة في كل شيء، وتدعو إلى الشمول المالي وتقليل الاعتماد على النقد والتحول إلى الدفع الإلكتروني وبطاقات الائتمان.

لكن هذا لم يتحقق على أرض الواقع. فقد كتبت سابقاً عن رقمنة التأمين الصحي واعتبرتها «فشنك»، حيث زعموا أن الموقع الخاص بها هو الأفضل بين جميع مواقع الخدمات الحكومية على مستوى العالم والمنطقة. لكنني اكتشفت أن هناك منصة لوزارة الكهرباء تتيح التقديم للحصول على الخدمات، وعندما حاولت تركيب عداد لشقة ابني، نصحني أحد الزملاء بحجز موعد عبر منصة الكهرباء. دخلت المنصة التي تحتوي على خدمات متعددة، ولكن بعد ثلاث ساعات من المحاولات المتواصلة، فشلت في الحصول على ما أريده، حيث كانت جميع الخدمات متوقفة.

في اليوم التالي، توجهت إلى شركة الكهرباء في منطقة هرم سيتي، حيث وجدت آلاف الأشخاص يتصارعون للحصول على رقم. كانت الشبابيك تعمل بنصف طاقتها، حيث غاب عدد من الموظفين أو تركوا العمل لأسباب شخصية. والأغرب أن السداد كان نقدياً، أي أنه يجب دفع ثمن العداد نقداً وليس عبر الفيزا أو وسائل الدفع الإلكتروني. وعندما سألت عن السبب، قيل لي إن “السستم” الذي يربط الشركة بالبنوك معطل منذ فترة طويلة. قال لي الموظف إنه من الأفضل لهم التعامل بالفيزا، لأنهم يحملون ملايين الجنيهات يومياً إلى البنك ويخشون من تعرضهم للسرقة. تم إخطار إدارة شركة جنوب القاهرة لإيجاد حل لكن يبدو أن الإدارة بعيدة تماماً عن هموم موظفيها.

تساءلت أين الشمول المالي الذي تروج له الحكومة والبنك المركزي من خلال الحملات الإعلانية التي صرفت عليها مئات الملايين لتوعية الناس بأهمية استخدام الكروت الائتمانية ووسائل الدفع الإلكتروني؟ الغريب أن ظاهرة العودة للاعتماد على النقد انتشرت حتى في العديد من المؤسسات ومحطات البنزين.

نفس المشكلة التي واجهتها في منصة وزارة الكهرباء وجدتها أيضاً في موقع منظومة الشكاوى الحكومية التي يعلن رئيس الحكومة شهرياً عن إنجازاتها بأنها عالجت مئات الآلاف من الشكاوى. لكنني تقدمت بشكوى ولم يتحرك أي شخص بشأنها بعد مرور الوقت. وعندما حاولت تقديم شكوى جديدة اكتشفت أن الشكوى السابقة مرت عليها سنوات دون أي استجابة. تساءلت من أين تأتي الأرقام التي يتحدثون عنها شهرياً حول الاستجابة للشكاوى؟ هل هي أرقام حقيقية أم مجرد تقارير تُرفع لإرضاء الرؤساء؟

الحكومة تثبت كل يوم أنها منفصلة عن الشعب وموظفيها، وأن معظم التقارير التي تعلنها هي للاستهلاك الإعلامي فقط. بينما الواقع مختلف تمامًا عما يُعلن عنه كبار المسؤولين الذين يعيشون في عالم آخر بعيد عن هموم الناس اليومية. الحقيقة هي حياة تزداد سوادًا يومًا بعد يوم.