على الرغم من النجاحات التي حققتها في مسيرتي كمقدمة برامج، والتي أفخر بها تمام الفخر، إلا أنني أعيش في داخلي غصة لم تمحها ثلاثة عقود من العمل الشغوف. لم تكن تلك المسيرة ملهمتي لتحقيق الأحلام فحسب، بل كانت أيضًا إحدى اللبنات الأساسية في مشواري المهني.
عندما اجتزت اختبارات الإذاعة، كان تصنيفي كمذيعة هواء، ولعلّك تتخيل عزيزي القارئ مدى الفخر الذي شعرت به عندما أصبحت مذيعة في إذاعة مصر الأولى، وهي لسان حال الدولة الرسمي، التي كانت وكالات الأنباء تستقي منها الأخبار العاجلة.
توجهت بحماسة وطموح لتحقيق أحلامي، وعندما استعدت لاستلام عملي، فوجئت بالسيدة المسؤولة عن إدارة الهواء تخبرني بأنني لم أكن ضمن المجموعة المختارة. حاولت إقناعها بأنني نجحت كمذيعة هواء ووزعت على البرنامج العام، وهو حقي.
لكنها ردت بلا مبالاة وهي تنظر في ورقة بيدها قائلة: “ارفعي قضية على رئيس الإذاعة”. من هو رئيس الإذاعة وقتها؟ إنه زوجها الذي كان مذيعًا محترمًا ومثقفًا.
شعرت وكأن حلمي قد تعرض لضربة قاسية، وخرجت من المكان باكية أبحث عن سبل لاستعادة كرامتي التي مزقها قرار أحادي. تساءلت: هل يجب أن أرفع قضية أم أستسلم لحلمي الضائع؟ وما جدوى ذلك؟ كم من الوقت سأفقده؟
مع حيرة الأسئلة وضبابية الإجابات، للأسف استسلمت لهذا الواقع. وما زلت ألوم نفسي على هذا القرار حتى اليوم. تعلمت من تلك التجربة أن الحلم حق وأن تحقيقه مشروع والدفاع عنه واجب.
هذه القصة عادت إلى ذاكرتي عندما تابعت قضية الزميلة العزيزة الأستاذة سهير عبد الحميد وهي تدافع عن حقها وحرية التعبير التي تمثل نتاج سنوات من الجهد والإصرار.
لقد احترمت إيمانها بعدالة قضيتها وثقتها في قضائنا العادل وصبرها رغم الانتقادات التي تعرضت لها. لا أعرف الزميلة سهير ولم أقابلها قط، لكنني كنت أتابع قضيتها وأتعجب من صمودها. كنت أدعو لها بالتوفيق وأشكك في قدرتها على مواجهة التحديات.
سهير عبد الحميد أعادتني إلى البداية وجعلتني أتمنى أن يعود الزمن إلى الوراء لأستعيد أحلامي التي لم تتحقق بعد. واليوم أقول كما قالت: الآن حصحص الحق.

