لقد تعافيت منذ سنوات طويلة من متابعة برامج التوك شو، لقناعتي بأنها لا تعبر عني كشخص أو كدراسة ومهنة. ورغم أنني أتعثر أحيانًا في فيديو هنا أو هناك، إلا أنني لا أعيره انتباهًا. ولكن على الرغم من ذلك، تابعت جزءًا من لقاء الكاتب الصحفي مصطفى بكري مع ضيف فاضل لا أذكر اسمه، ربما لأن ما أثاره من نقاط طغى على تركيزي في اسمه، لكنه لفت نظري لعمله كمستشار في الأمم المتحدة لإدارة الأزمات والمخاطر.
بدأ الحوار بسؤال من المضيف لضيفه حول حالة الشباب في الشارع المصري الذين يشعرون بالحيرة والتساؤل: من نحن؟ هل نحن مصريون صرف أم عرب أم أفارقة؟ هذا سؤال قديم يُستدعى عند الحاجة، وقد تم الإجابة عنه في النماذج الاسترشادية.
وربما كان الأكثر واقعية أن نطرح أسئلة الشباب الحقيقية إذا أردنا التحدث بلسانهم ونعبر عنهم، وعلى رأسها قضية البطالة التي أجبرتهم على تضييع أعمارهم في المقاهي أو السير في الشوارع لتوصيل طلبات هنا أو شحنات هناك. والسؤال الأهم هو: ما فائدة مؤهلاتهم الدراسية إذا كانوا لا يعملون بها؟
الحقيقة أن إجابة الضيف الكريم على السؤال جعلتني أتقمص دور سلطان السكري في مسرحية “العيال كبرت”، وهو يستمع إلى حديث أخيه المثقف. قال الضيف مستشار الأمم المتحدة للأزمات والمخاطر: “ربنا يكفينا الشر، إن القوة الناعمة هي هوية ثم سرد ثم تجربة ثم جذب ثم هوى”.
وهنا أجد نفسي مضطرة للعودة إلى سلطان السكري عندما قال كلمات بسيطة وسلسة. حقيقة لم أفهم ما قيل باستثناء كلمة “ثم” التي ربطت بين الكلمات. وبعد دقيقة أو اثنتين مما سمعته من الحوار، وجدت ما فهمته لفظًا لكن لم أفهمه معنى.
ألا وهو أننا نحن المصريين لسنا أصحاب الحضارة ولكننا مجرد سكان أرض الحضارة. وأن حتى هذه الحضارة لم نكن نحن من عرفنا شفرتها بل الفرنسيون، ولذلك فنحن لسنا أصحابها! وطبقنا طبق في طبقكم وأرنبنا في منور أنور.
كيف سيدي الكريم يمكن القول إننا لسنا أصحاب الحضارة؟ وماذا عن كتب التاريخ التي درسناها ونقوم بتدريسها لأبنائنا والتي تؤكد أننا أصحاب الحضارة؟
وإذا لم نكن نحن أصحاب حضارتنا فمن يكون إذن؟ وكيف تعيش هويتنا خلطًا بين التاريخ والحاضر؟ أليس التاريخ لبنة الحاضر وسند المستقبل؟ هل هذا ما تريد منا تعليمه لأبنائنا سيدي مستشار الأمم المتحدة للمخاطر والأزمات؟
إنني أرى في هذا الكلام قمة المخاطر وجل الأزمات. وأسأل: ما الهدف من حوار كهذا؟ ولماذا الحديث عن بديهيات؟ ولماذا نخلق حالة من الفوضى والشتات الفكري لدى الناس الذين يفترض أننا أمناء على وعيهم؟
أنا لست متخصصة في التاريخ ولا في الأمم المتحدة، لكنني أملك ككل المصريين قلبًا حديثه كحدسه لا يخيب إلا فيما ندر. وحدس قلبي يؤكد أننا بحاجة إلى من هوايتهم دراسة التاريخ حتى يفهمونا: هل نحن أصحاب الحضارة أم مجرد ساكني أرضها؟ وهل نسكنها تمليكًا أم إيجارًا أم بوضع اليد؟

