يرى خبيران اقتصاديان تحدثا لـ”مصراوي” أن “الانكماش الخفي”، المتمثل في تقليص وزن أو حجم العبوة مع الإبقاء على السعر، لا يمثل مخالفة في حد ذاته طالما أن الكمية الجديدة معلنة بوضوح. لكنه يتحول إلى مشكلة عندما تفتقر عملية البيع إلى الشفافية.
تنتشر آلية “تقليص وزن السلع مقابل نفس السعر” في الأغذية والمشروبات مؤخرًا، حيث يمكن أن يمر انخفاض عشرات الجرامات من العبوة بصريًا دون ملاحظة، بينما تكون زيادة السعر المطبوع على العبوة أكثر وضوحًا للمستهلك.
يُنسب إلى الخبيرة الاقتصادية البريطانية بيبا مالمجرين استخدام مصطلح Shrinkflation عام 2009، وهو تركيب من كلمتي “Shrink” و”Inflation”، أي “الانكماش الخفي”. ويصف هذا المصطلح ممارسة تقوم فيها الشركات بتقليص حجم أو كمية المنتج، أو أحيانًا خفض جودة مكوناته، مع تثبيت السعر أو زيادته بصورة طفيفة بدلًا من تمرير زيادة سعرية صريحة.
تكشف بيانات منشورة أن الشركات تعمل تحت ضغط تكلفة، إذ وصلت حصة التعبئة والتغليف إلى نحو 25% من تكلفة الإنتاج في الصناعات الغذائية. وارتفعت أسعار عبوات تغليف المكرونة بنسبة 83% في المتوسط، بينما زادت تكلفة تعبئة الزيت السائل من 15 قرشًا إلى 24 قرشًا للعبوة.
وفق أرشيف الأخبار، أقرّ مدير المبيعات بشركة جولدن ستار للحلوى بأن الشركة لجأت إلى تقليل حجم عبواتها بدلًا من تحميل المستهلك كامل الزيادة في تكلفة الإنتاج. ويعود ذلك لزيادة مدخلات الإنتاج مثل الكاكاو، بالإضافة إلى تكاليف التشغيل وخدمات الشحن ورفع أجور العمال.
كما ذكر علاء عيسى سكرتير شعبة الحلوى بغرفة القاهرة التجارية أن سوق الحلوى المصرية تواجه حالة من الركود بسبب تقليل الاستهلاك نتيجة الوضع الاقتصادي.
لا تتوقف الظاهرة عند المنتجات المعبأة فقط؛ فقد وثق “مصراوي” اتجاه بعض مطاعم الفول والطعمية إلى تخفيض حجم قرص الطعمية للحفاظ على السعر. يأتي ذلك بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفول والزيت والخضروات، حيث رفعت بعض المطاعم أسعار السندوتشات بالفعل، بينما اختارت أخرى تقليص حجم القرص لتعويض زيادة التكلفة والحفاظ على الزبائن.
يقول حازم المنوفي عضو شعبة المواد الغذائية بالغرف التجارية ورئيس مجموعة المنوفي للمواد الغذائية إن التعامل مع ظاهرة تقليص أوزان أو أحجام المنتجات مع ثبات أسعارها يتطلب التفرقة بين التسعير المشروع وأي ممارسات قد تؤدي إلى تضليل المستهلك. موضحًا أن الشركات تعمل وفق آليات السوق وتكاليف الإنتاج مع ضرورة الالتزام بالإعلان الواضح عن السعر والوزن أو الكمية.
ويضيف لـ”مصراوي” أن تقليص وزن أو حجم العبوة مع ثبات السعر لا يُعد مخالفة في حد ذاته طالما أن الوزن الجديد معلن بوضوح ولا تتضمن العبوة أو طريقة عرضها أي بيانات مضللة. مشيرًا إلى أن المشكلة تبدأ عندما توحي طريقة تقديم المنتج للمستهلك بأنه يحصل على الكمية نفسها مقابل السعر ذاته رغم حدوث خفض جوهري في المحتوى.
يشدد المنوفي على أن الشفافية في الإعلان عن السعر والوزن والكمية تمثل خط الدفاع الأساسي للمستهلك. كما يجب استمرار الأجهزة الرقابية في متابعة الأسواق والتأكد من الالتزام بالقواعد المنظمة ومنع أي ممارسات احتكارية أو مضللة.
لماذا تلجأ الشركات إلى هذا الخيار؟
مع قرارات تحرير سعر الصرف المتعاقبة التي أفقدت الجنيه أكثر من نصف قيمته أمام الدولار وفق تقديرات متعددة، ارتفعت تكلفة استيراد المواد الخام والوسيطة. لتجد الشركات نفسها أمام مفاضلة واضحة: زيادة السعر المعلن وتحمل احتمال تراجع الطلب، أو تقليص الكمية مع الحفاظ نسبيًا على السعر وهامش الربح والقدرة التنافسية.
بلغ الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية 289.9 نقطة في يوليو 2026 بارتفاع شهري قدره 0.1% عن يونيو. فيما ارتفع التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية إلى 13.0% مقابل 12.2% في يونيو حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة في 10 أغسطس 2026. وفي المدن بلغ التضخم السنوي 14.9%.
يقول الدكتور حازم حسانين عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي إن المستهلك يحصل على قيمة أقل مقابل أمواله عند شراء السلع عمومًا. لكن تقليص الكمية قد يكون أكثر صعوبة في الملاحظة مقارنة برفع السعر؛ لأن المستهلك عادة يكون أكثر حساسية لتغير السعر من تغير الكمية.
ويضيف لـ”مصراوي” أنه مع استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والمواد الخام يصبح الانكماش الخفي إحدى الوسائل التي تستخدمها الشركات للحفاظ على أسعارها المعلنة وهوامش أرباحها دون تحمل صدمة رفع السعر بشكل مباشر.
ويرى أن الأثر لا يتوقف عند العبوة؛ فمع تكرار تقليص الأوزان ترتفع التكلفة الحقيقية للوحدة أو الكيلوجرام حتى إذا ظل السعر المكتوب على المنتج ثابتًا. لذلك فإن مقارنة الأسعار وحدها لم تعد كافية لقياس ما يدفعه المستهلك بل يجب النظر إلى السعر مقابل الوزن أو الحجم الفعلي للمنتج.
في اقتصاد يعاني فيه المستهلك الضغوط التضخمية حسب حسانين قد يتحول الانكماش الخفي من مجرد إستراتيجية تسويقية إلى زيادة غير مباشرة في تكلفة المعيشة؛ لأنها تمر بعيدًا عن الانتباه لكنها تظهر بوضوح في نهاية الشهر عندما يجد المستهلك أن مشترياته المعتادة لم تعد تكفي كما كانت.
القانون المصري.. أين ينتهي التصغير ويبدأ التضليل؟
يُلزم قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 المورد أو المعلن بتجنب أي سلوك خادع يتعلق بكمية السلعة أو وزنها أو حجمها أو سعرها. وبذلك فإن البيانات الأساسية الخاصة بما يحصل عليه المستهلك يجب ألا تقدم بصورة مضللة.

