انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة التصوير العشوائي في الأماكن العامة والشوارع والميادين، وحتى في المنازل. حيث يمكن لأي شخص أن يتعرض للتصوير دون علمه، وتجد الفيديوهات والصور تتداول على مواقع التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا بدون أي ضوابط أو قواعد أخلاقية، مما يسبب الأذى للآخرين وانتهاك خصوصيتهم وحرمة منازلهم في كثير من الحالات.

يأتي ذلك في عصر أصبحت فيه الهواتف الذكية في متناول الجميع، وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة لنشر كل شيء. لذلك، بات من الضروري أن نتوقف أمام هذه الظاهرة الخطيرة التي تتسع يومًا بعد يوم، حيث تزايدت حالات التصوير العشوائي للمواطنين في الشوارع والأماكن العامة، ثم نشر هذه المقاطع على مواقع التواصل دون إذن أو مراعاة لخصوصية أصحابها.

إن التقاط فيديو لشخص يمر بظرف إنساني صعب، أو يتعرض لموقف محرج، أو حتى يرتكب خطأً عابرًا، ثم تحويله إلى مادة للسخرية أو “الترند” ليس حرية شخصية ولا نوعًا من صناعة المحتوى. بل هو انتهاك صريح لكرامة الإنسان وحقه في الخصوصية. وهذا أمر جلل وخطير يجب التوقف عنده. فلا يصح أن تُترك الأمور على عواهنها ويُسمح لأي شخص بالتصوير في أي وقت وأي مكان ونشر ما يصوره على “السوشيال ميديا”.

كم من أسرة تضررت بسبب فيديو انتشر في دقائق؟ وكم من شخص فقد عمله أو تعرض للتنمر أو أصيب بأزمات نفسية لأن أحدهم قرر تصويره دون علمه؟ ثم نشر المقطع بحثًا عن المشاهدات والإعجابات. والأخطر أن هذه المقاطع تظل محفوظة على الإنترنت، فتلاحق أصحابها لسنوات طويلة، رغم أن الموقف الذي وثقته الكاميرا قد يكون لحظة عابرة أو تصرفًا فرضته ظروف قاسية. فضلاً عن أن بعض هذه الفيديوهات لا تنقل الصورة كاملة، مما يؤدي إلى خلق حلقة مفرغة أو جانب مظلم من المشهد؛ فقد يتحول الجاني بحسن أو سوء نية إلى مجني عليه والعكس.

علينا أن ندرك أن الناس ليست مادة للترفيه وأن الكرامة الإنسانية ينبغي ألا تكون ثمنًا لتحقيق الانتشار على مواقع التواصل. فليس كل ما نراه يستحق التصوير، وليس كل ما نصوره يحق لنا نشره. هناك فرق كبير بين توثيق واقعة تمس المصلحة العامة أو تكشف جريمة وبين تصوير مواطنين عاديين يمارسون حياتهم اليومية أو يمرون بظروف خاصة.

كما أن الخطأ في حد ذاته أمر نسبي. والإنسان بطبيعته معرض للخطأ، ومن غير المقبول أن يتحول أي خطأ فردي إلى محاكمة جماهيرية على الإنترنت يصدر فيها الملايين أحكامهم دون معرفة الملابسات أو الظروف التي دفعت الشخص إلى ما فعل.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تتطلب فقط تشريعات رادعة تحمي الخصوصية وتجرم نشر المحتوى الذي ينتهك كرامة وخصوصية المواطنين بل تحتاج أيضًا إلى وعي مجتمعي وأخلاقي يعيد التأكيد على قيم الاحترام والرحمة. لذلك، فإن دعوتي موجهة إلى كل مواطن: توقف عن التصوير العشوائي ولا تجعل هاتفك وسيلة لإيذاء الآخرين. قبل أن تضغط زر التسجيل أو النشر، اسأل نفسك: هل أقبل أن يحدث هذا لي أو لأحد أفراد أسرتي؟ إذا كانت الإجابة لا، فمن الواجب عليك منح الآخرين الاحترام نفسه.

لذلك يجب التفرقة بين تصوير جريمة لتوثيقها حرصاً على إدانة المجرم وحصول المجني عليه على حقه، وبين تصوير ينتهك حرمة الحياة الخاصة للمواطنين.