في شمال غرب محافظة المنيا، تقع البهنسا كأنها كتاب مفتوح يروي تاريخًا عريقًا، حيث تتجلى صفحاته مع كل خطوة يخطوها الزائر. لم تكن هذه المدينة مجرد قرية عادية، بل كانت شاهدة على تعاقب الحضارات المصرية، واحتضنت الفراعنة واليونان والرومان والأقباط والمسلمين، لتصبح واحدة من أغنى بقاع مصر بالتراث الإنساني والديني.
ورغم هذا التاريخ الممتد لآلاف السنين، ظلت البهنسا بعيدة عن الأضواء لعقود طويلة، قبل أن تعود إلى الواجهة مجددًا بعد إعلان وزارة الأوقاف مؤخرًا عن إعداد خطة لتحويلها إلى مزار عالمي.
أعادت زيارة الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، إلى البهنسا الأنظار إلى هذه المدينة التاريخية بعدما أعلن عن مشروع متكامل يهدف إلى تحويلها إلى مقصد ديني وثقافي عالمي يستقبل ملايين الزوار سنويًا. هذا المشروع يستند إلى المكانة الروحية الكبيرة التي تتمتع بها المدينة، حيث تحتضن أضرحة آلاف الصحابة والتابعين، مما جعلها تُعرف بين المسلمين باسم “البقيع الثاني”.
عاصمة الإقليم التاسع عشر في مصر القديمة
تبدأ حكاية البهنسا قبل الإسلام بآلاف السنين. ففي العصر الفرعوني كانت عاصمة الإقليم التاسع عشر من أقاليم مصر العليا وعُرفت باسم “بر-مجد”، أي “مكان اللقاء”. يشير هذا الاسم إلى موقعها الاستراتيجي الذي يربط وادي النيل بالواحات عبر طريق عرف تاريخيًا باسم “درب البهنساوي”. كما ارتبطت المدينة بعبادة المعبود “ست” لتصبح إحدى أهم المدن الدينية والإدارية في مصر القديمة.
مدينة السمكة التي أبهرت علماء العالم
مع دخول العصر اليوناني تغير اسم المدينة إلى “أوكسيرينخوس” أو “مدينة السمكة” نسبةً إلى سمكة القنومة المقدسة آنذاك.
خلال الحفائر التي بدأت عام 1896 على يد العالمين الإنجليزيين جرنفل وهنت، تم اكتشاف واحدة من أعظم الاكتشافات الأثرية في العالم بعد العثور على أكثر من نصف مليون بردية كشفت تفاصيل دقيقة عن الحياة السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية في مصر القديمة. ولا تزال هذه البرديات حتى اليوم مصدرًا رئيسيًا لدراسة التاريخ القديم.
وفي العصر الروماني بلغت البهنسا ذروة ازدهارها حتى أصبحت ثاني أهم مدينة في مصر بعد الإسكندرية. احتضنت واحدًا من أكبر المسارح الرومانية في مصر وشمال إفريقيا، وكانت من المدن القليلة خارج روما التي استضافت الألعاب الأولمبية بجانب الإسكندرية والأشمونين، مما يعكس مكانتها الحضارية والثقافية داخل الإمبراطورية الرومانية.
محطة بارزة في التاريخ المسيحي
مع انتشار المسيحية في مصر احتفظت البهنسا بمكانتها؛ إذ دخلتها المسيحية مبكرًا وارتبطت برحلة العائلة المقدسة في أرض مصر. وما زالت شجرة السيدة مريم شاهدًا على تلك الرحلة. كما تحولت المدينة إلى أحد أهم مراكز الرهبنة واستقر فيها آلاف الرهبان والراهبات لتضيف صفحة جديدة إلى سجلها الديني المتنوع.
وفي العصر الإسلامي تحولت البهنسا إلى واحدة من أكثر المدن قدسية لدى المسلمين. فقد كانت مدينة محصنة بأسوار وأبراج وحامية رومانية قوية مما جعل فتحها من أصعب الفتوحات. وخلال المعارك استشهد عدد كبير من الصحابة والتابعين بينهم نحو 40 من بدريي الصحابة وأكثر من خمسة آلاف من التابعين الذين دُفنوا جميعًا في أرضها لتصبح المدينة ثاني أكبر مقبرة للصحابة بعد البقيع في المدينة المنورة، وتحمل لقب “البقيع الثاني”.
ورغم الاكتشافات الضخمة التي شهدتها البهنسا على مدار أكثر من قرن، يؤكد علماء الآثار أن المدينة لا تزال تخفي الكثير من أسرارها؛ حيث نجحت البعثة المصرية الإسبانية العاملة بالموقع خلال السنوات الأخيرة في الكشف عن العديد من المباني والمقابر الأثرية.
مشروع لإعادة البهنسا إلى خريطة العالم
في إطار خطة إحياء المدينة تعمل وزارة الأوقاف على إعداد موسوعة علمية توثق كل ما كُتب عن البهنسا في الكتب والمراجع والرسائل الأكاديمية. كما سيتم إطلاق منصة إلكترونية وتطبيق ذكي يقدمان خريطة تفاعلية للمقامات والمعالم الأثرية بما يسهم في تسهيل الزيارة والتعريف بقيمة المدينة التاريخية والدينية.
البهنسا ليست مجرد موقع أثري أو مدينة تضم أضرحة تاريخية؛ بل هي سجل حي لمسيرة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين. فمن عاصمة فرعونية إلى مدينة يونانية ورومانية مزدهرة ثم مركز مسيحي بارز وصولًا إلى واحدة من أقدس المدن الإسلامية، ظلت البهنسا شاهدة على تاريخ لا يزال يكتب فصوله مع كل اكتشاف جديد لتبقى واحدة من أعظم المدن التاريخية التي تستحق أن تعود إلى مكانتها على خريطة السياحة العالمية.
اقرأ أيضًا:.
خناقة على حضانة أطفال.. كواليس فيديو “سحل سيدة” بالشرقية.

