تطوير التعليم في الدول المتقدمة لا يخضع، كما هو الحال لدينا، لمشيئة كل وزير يتولى الوزارة؛ بل يتولاه مجلس أعلى للتعليم يضم أفضل الكفاءات من حيث العلم والخبرة والرؤية، ولا سلطان لأحد عليه حتى الوزير نفسه الذي يقتصر دوره على تنفيذ السياسات.

لا يزال الحديث عن نظام البكالوريا المصرية مثار جدل في النقاش العام، إذ لم يعد هذا النظام مقصورًا على مدارس وزارة التربية والتعليم. فقد أعلن المجلس الأعلى للأزهر موافقته على تطبيق النظام في المعاهد الأزهرية اعتبارًا من العام الدراسي 2026/2027، مع التأكيد على الحفاظ على المواد الشرعية والعربية وخصوصية المنهج الأزهري. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل نحن أمام إصلاح تعليمي حقيقي، أم تجربة تحتاج إلى مزيد من التروي؟

الإنصاف يتطلب عدم رفض الفكرة لمجرد أنها جديدة، كما لا ينبغي منحها صك النجاح قبل أن تخضع لاختبار الواقع. فالتعليم ليس ميدانًا للتجارب غير المحسوبة، لكنه أيضًا لا يحتمل الجمود في عالم يتغير كل يوم.

أنصار البكالوريا يرون أنها تخفف العبء عن الطالب وتقلل عدد المواد، وتوزع التقييم على أكثر من فرصة، مما يبتعد عن مصير الطالب الذي تحدده ساعات قليلة في امتحان واحد. وهذه أهداف نبيلة إذا أُحسن تنفيذها، بل إن العديد من النظم التعليمية المتقدمة تعتمد التقييم التراكمي وتعدد فرص القياس.

لكن تبرز تساؤلات لا يجوز تجاهلها. هل يؤدي تقليل عدد المواد إلى بناء أعمق للمعرفة أم إلى تضييق الثقافة العامة؟ وهل يسمح نظام الاختيارات للطالب بتكوين قاعدة علمية متماسكة، أم قد يخرجه إلى الجامعة دون دراسة بعض العلوم الأساسية التي يحتاج إليها لاحقًا؟ وهل ستكون فرص التحسين وسيلة لتحقيق العدالة أم ستمنح أصحاب القدرة المالية ميزة إضافية إذا ارتبطت برسوم متكررة؟

أما في الأزهر، فإن المسألة أكثر حساسية؛ فالتعليم الأزهري ليس مجرد مسارات أكاديمية بل يحمل رسالة علمية ودينية تمتد لأكثر من ألف عام. لذا ينبغي أن يحافظ أي تطوير على هذا التوازن الدقيق بين العلوم الشرعية والعلوم الحديثة، وهو ما أكده الأزهر في بيانه الرسمي عندما شدد على عدم المساس بالمواد الشرعية والعربية مع وضع ضوابط خاصة لتطبيق النظام الجديد.

وربما كان من الأفضل إجراء دراسة تقويمية مستقلة بعد عام أو عامين من التطبيق لقياس أثر النظام على التحصيل العلمي ومستوى التفكير والضغوط النفسية وعدالة فرص الالتحاق بالجامعات قبل إصدار أحكام نهائية بالنجاح أو الفشل. فالإصلاح التعليمي لا يُقاس بحسن النوايا وإنما بنتائجه على أرض الواقع.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. وهما أصلان عظيمان في التعامل مع كل قضية عامة؛ فلا التهويل يغني عن الدليل ولا التفاؤل وحده يصنع النجاح.

إن مصر تحتاج إلى تعليم يخرج إنسانًا قادرًا على التفكير وليس مجرد حافظ للمعلومات. كما تحتاج إلى نظام يحقق تكافؤ الفرص ويحفظ هوية الأمة في الوقت نفسه. وإذا كان نظام البكالوريا قادرًا على تحقيق هذه الغاية فسيكون إضافة مرحبًا بها. أما إذا كشفت التجربة عن ثغرات أو آثار سلبية، فإن الشجاعة تقتضي المراجعة والتصحيح بدلاً من المكابرة أو التمسك بالأخطاء.

فالرهان الحقيقي ليس على اسم النظام وإنما على جودة المناهج وكفاءة المعلم وعدالة التقويم وحسن التنفيذ. وهذه هي المعايير التي ينبغي أن نحاكم إليها أي إصلاح تعليمي بعيدًا عن الانفعال وقريبًا من المصلحة الوطنية التي لا يختلف عليها اثنان.