الاستقالة في بعض الأحيان تُعتبر الخطوة الأولى نحو احترام الذات. إنها حكمة بليغة يدركها من يعيها، ففي الدول التي تُقدّر المسؤولية، لا ينتظر المسؤول أن يُقال له “ارحل”، بل قد يختار الرحيل من تلقاء نفسه عندما يشعر بعدم قدرته على أداء الأمانة.

لا تُعتبر الاستقالة هروبًا من المسؤولية كما يدعي البعض، بل قد تكون أحيانًا هي عين العقل.

إن رضا الشعب ليس أمرًا يمكن تجاهله، فالمسؤول جاء ليؤدي مهمة لصالح هذا الشعب، وليس لمصلحته الشخصية أو لمصلحة فئة معينة. هو هنا لخدمة المواطنين وليس ليشعرهم بأنه صاحب فضل عليهم.

لكن المشكلة تكمن في أن بعض المسؤولين يتعاملون مع الأمر وكأن الشعب هو من يعمل لصالحهم، وليس العكس. فتخرج أحيانًا تصريحات تحمل استعلاءً على المواطن، وكأن من حق المسؤول التحدث إليه من موقع أعلى وطلب الصبر والتحمل، بينما ينسى أن المنصب الذي يشغله هو تكليف لخدمة الناس.

المواطن ليس موظفًا عند المسؤول، والمسؤول ليس فوق المواطن؛ كلاهما ينتميان إلى دولة واحدة. لكن المسؤول يتحمل مسؤولية أكبر لأنه في موقع يخدم الناس ويعالج أعباءهم.

يطرح السؤال نفسه: إذا ما تقدمت الحكومة باستقالتها، هل سيكون ذلك هروبًا من المسؤولية؟ أم أنه الوعي الحقيقي بما تفرضه اللحظة الراهنة بسبب حالة عدم الرضا والسخط الشعبي لدى قطاعات واسعة من المواطنين؟ هل استمرار هؤلاء المسؤولين في مواقعهم رغم فقدان ثقة الناس يُعد بالضرورة عين المسؤولية؟

ألا ترون ما يشعر به المواطن؟ ألا تسمعون صوته وشكواه وآلامه؟ ألا تصل إليكم حالة الغضب الناتجة عن بعض القرارات والسياسات التي أدت إلى غلاء معيشة رهيب وانهيار العملة المحلية وديون خارجية وداخلية لم تحدث في تاريخ مصر؟

من يخاف على هذا البلد حقًا لا ينتظر حتى تصل الأمور إلى حالة الانفجار؛ لأن ذلك ليس في صالح مصر ولا مؤسساتها ولا شعبها. الحكمة تتطلب العمل على إزالة أسباب الاحتقان ومعالجة غضب الناس بقرارات يشعرون معها أن الدولة تسمعهم وتعمل من أجلهم.

فالاحتقان لا يُزال بالتهديد والوعيد، ولا تُحل المشكلات برفع سقف الخطاب أو الحلول الأمنية. بل تُحل بالقرارات التي تصب في صالح المواطن وتعيد إليه الشعور بأن هناك من يسمعه ويشعر بمعاناته ويعمل لأجله.

القوة الحقيقية ليست في إسكات صوت الغاضب، وإنما في إزالة أسباب غضبه.

الاستقالة ليست فكرة جديدة ولا عيبًا في حد ذاتها؛ فنحن لدينا في مصر سوابق واضحة لتحمل المسؤولية السياسية بالرحيل. ففي عام 2009، تقدم وزير النقل محمد لطفي منصور باستقالته عقب حادث تصادم قطاري العياط، وأعلن أن قراره جاء انطلاقًا من إحساسه بالمسؤولية السياسية. وبعد سنوات تكرر الأمر مع وزير النقل الأسبق هشام عرفات الذي استقال عقب حادث محطة مصر عام 2019.

لماذا أصبحت الاستقالة عند البعض كأنها هروب من المسؤولية بينما قد تكون أحيانًا أقوى دليل على تحملها؟

بالطبع ليس معنى ذلك أن كل أزمة تستوجب استقالة الحكومة أو وزير أو أن كل خطأ يعني الرحيل. ولكن عندما تتكرر الأخطاء أو يعجز المسؤول عن تحقيق المهمة التي جاء من أجلها أو تهتز ثقة المواطنين فيه، يصبح من حق الجميع أن يسأل: هل الاستمرار في المنصب هو عين المسؤولية أم أن الرحيل قد يكون القرار الأكثر شجاعة؟ فالاستمرار في المنصب ليس بطولة والتمسك بالكرسي ليس دليل نجاح.

على المسؤول ألا ينتظر حتى يُقال له “ارحل”؛ فالبطولة تكمن في الرحيل طواعية عندما يشعر أنه لم يعد قادرًا على أداء الأمانة أو أصبح غير مرغوب فيه.

المسؤول جاء ليؤدي مهمة وهذه المهمة ليست ملكًا له؛ فالكرسي ليس حقًا أبديًا والسلطة ليست امتيازًا شخصيًا.

عندما يشعر المسؤول أنه لم يعد قادرًا على إقناع المواطن أو أن قراراته لم تعد تحقق الهدف الذي جاء لأجله، فلا عيب في مراجعة موقفه ولا حرام أن يقول: ربما يكون هناك من هو أقدر مني على أداء هذه المهمة.

الاستقالة لا تنتقص من قيمة المسؤول بل قد تمنحه احترام الناس أحيانًا.

ويبقى السؤال: هل نحتاج دائمًا إلى أن يُقال للمسؤول “ارحل”؟ أم ينبغي عليه أن يمتلك الشجاعة ليعرف بنفسه متى يكون الرحيل هو عين المسؤولية؟ يا عزيزي الاستقالة.. لا هي عيب ولا حرام.

استقيلوا يرحمكم الله.