تحت عنوان “لماذا تحولت أقدم مجلة سياسية في بريطانيا إلى أبرز المروجين للإسلاموفوبيا؟”، نشرت صحيفة “ذا جارديان” البريطانية مقالاً للكاتبة السودانية المقيمة في لندن نسرين مالك، حيث رأت أن التغطية التي تقدمها مجلة “ذا سبيكتيتور” بشأن المسلمين تعكس مشكلة أعمق في المشهد الإعلامي البريطاني. فقد أصبح تصوير المسلمين بوصفهم تهديداً أو عبئاً على المجتمع مقبولاً في قطاعات واسعة من وسائل الإعلام البريطانية.

وأشارت مالك إلى أن الإسلاموفوبيا لم تعد ظاهرة هامشية، بل أصبحت جزءاً من الخطاب الإعلامي السائد، معتبرة أن مجلة “ذا سبيكتيتور”، أقدم مجلة سياسية في بريطانيا، تتصدر المنابر التي تروج لهذا الخطاب وتمنحه شرعية داخل المجال العام.

ولتعزيز هذا الطرح، أشارت الكاتبة إلى تقرير أصدره “مركز رصد وسائل الإعلام”، وهو مؤسسة غير ربحية تابعة للمجلس الإسلامي في بريطانيا، حيث قام بمراجعة 3733 مقالًا نشرتها المجلة عن الإسلام أو المسلمين. وخلص التقرير إلى وجود “نمط مستدام ومنهجي من التغطية المتحيزة ضد المسلمين والإسلام”.

تصوير المسلمين كأقلية طائفية منعزلة

وبحسب المقال، توصل التقرير إلى أن المجلة دأبت على تصوير المسلمين باعتبارهم “مجموعة سكانية تمثل مشكلة”، وقدمتهم باستمرار بوصفهم استثناء يهدد المجتمع.

وترى مالك أن النتيجة النهائية لهذا الخطاب هي رسم صورة لأقلية تبدو منعزلة وطائفية، لكنها في الوقت ذاته تظهر كقوة خطيرة تسعى إلى استعمار المجتمع البريطاني من داخل “جيتو” – حي معزول تعيش فيه مجموعة معينة من الناس.

وأضافت أن التقرير تضمن أمثلة عديدة على هذا الخطاب؛ إذ وصفت بعض المقالات اعتراضات المسلمين على الإساءات العنصرية بأنها مجرد “حساسية مفرطة”، معتبرة أن هذه “الحساسية” تشمل أيضاً الاعتراض على مقالات تحذر من أن “الإسلام المنظم أصبح قوياً وصاخباً” أو تزعم أنه مع ازدياد عدد المسلمين في البلاد “بات هناك أكثر من ضعف عدد القتلة المحتملين شبه الأميين المهووسين بالعذرية بيننا”.

المسلمون هدف سهل للعنصرية ومعاداة الهجرة

تواصل مالك انتقادها لمجلة “ذا سبيكتيتور” بالقول إن مجرد وجود المسلمين في بريطانيا يجري تصويره باعتباره وجوداً أجنبياً ساماً.

واستشهدت بما كتبه أحد المعلقين في المجلة: “أشار مؤرخون بارزون، وبحق، إلى أن الإسلام يتضمن خصائص تجعله عصياً بصورة فريدة على الاندماج في الدولة العلمانية الحديثة”، فيما دعا كاتب آخر إلى “إعادة التفكير في الموافقة على بناء المساجد”.

وترى الكاتبة أن تغطية المجلة تقدم صورة لبلد يسير نحو الانهيار؛ فالساسة – بحسب هذا الخطاب – يخشون المسلمين واليسار يدعمهم والمحاكم تتساهل معهم.

وتؤكد أن حجم هذا الخطاب واتساعه يكاد يكون غير مسبوق، مشيرة إلى أنه لو استخدمت اللغة نفسها تجاه أي أقلية أخرى لعدّت غير مقبولة. إلا أن المسلمين أصبحوا الهدف الأسهل لخطاب اليمين المحافظ؛ إذ يُنظر إليهم بوصفهم أقلية ذات خلفية عرقية ومهاجرين أو أبناء مهاجرين. وبعضهم يمارس شعائره الدينية علناً ما يجعلهم هدفاً سهلاً لتقاطع العنصرية ومعاداة الهجرة والانغلاق القومي.

وتخلص مالك إلى أن الإسلاموفوبيا تحولت إلى وعاء يسمح بقول أشياء عن ذوي الأصول غير البيضاء لا يمكن التصريح بها صراحة طالما أنها توجه ضد المسلمين.

مساحات واسعة لليمين المتطرف المعادي للإسلام

وفي سياق متصل، يشير المقال إلى أن مجلة “ذا سبيكتيتور” تمنح مساحة لرموز اليمين المتطرف؛ إذ نشر أحد مقالاتها مديحا للناشط البريطاني اليميني المتطرف تومي روبنسون المعروف بمواقفه المعادية للإسلام والمسلمين واصفاً إياه بأنه “محبوب وذكي وسريع البديهة وفصيح واسع الاطلاع وحسن الخلق”.

وتلفت مالك إلى أنه رغم هذا الخطاب لا تزال المجلة تحتفظ بمكانة مرموقة داخل المؤسسة السياسية والإعلامية البريطانية؛ إذ يحضر حفلتها الصيفية سياسيون من حزبي العمال والمحافظين بالإضافة إلى صحفيين وشخصيات عامة ويختلطون هناك مع اليميني المتطرف نايجل فاراج ورموز اليمين المحافظ.

أهلاً بكم في جحيم بريطانيا

وتضيف أن هذه الصورة تدحض الادعاءات التي تزعم أن المسلمين يحظون بمعاملة مميزة أو مفرطة في التساهل. فبينما تشهد بريطانيا تصاعدًا في نشاط اليمين المتطرف واعتداءات على المساجد وارتفاعًا في جرائم الكراهية يبدو الساسة وصناع الرأي مرتاحين للاحتفال مع من يسهمون في تطبيع هذا الخطاب التحريضي. وتقول إن الرسالة التي يتلقاها المتابع يوميًا تبدو وكأنها تقول: “لقد استيقظت مرة أخرى في بريطانيا.. أهلاً بك في الجحيم”.

وفي ختام المقال ترى مالك أن مجلة “ذا سبيكتيتور” والمنابر الإعلامية التي تدور في فلكها لم تعد تمثل نموذجًا للصحافة الرصينة بل تحولت – بحسب وصفها – إلى إعلام شعبوي يوظف الخطاب العنصري لاستقطاب الجمهور مع إضفاء طابع الصحافة الرفيعة عليه.

وتؤكد أن المشكلة لا تكمن في أن المسلمين أصبحوا يشكلون تهديدًا أكبر لبريطانيا بل تكمن المشكلة في أن المجتمع البريطاني ومعه جزء من نخبه الفكرية والإعلامية بات أكثر ضيقًا وانغلاقًا.

وترى أنه يجب رفض التعامل مع هذا الخطاب باعتباره أمرًا طبيعيًا كخطوة ضرورية لمواجهة هذا التراجع في الخطاب العام والحياة السياسية البريطانية.