حكم العمل في شركات التأمين التجاري، وقد أجاب الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، عن سؤال ورد إلى الموقع الرسمي لدار الإفتاء المصرية حول هذا الموضوع.
وأكد مفتي الجمهورية أن العمل في شركات التأمين جائز شرعًا ولا حرج فيه، مشيرًا إلى أن المال المتحصل من هذا العمل يُعتبر من الكسب الحلال الذي لا شبهة فيه. فالتأمين هو عقد قائم على فكرة التكافل والتضامن والتعاون في مواجهة الأضرار الناتجة عن الحوادث والكوارث. فهو يجسد التعاون والإيثار المأمور بهما في الإسلام، حيث يتبرع المؤمن له بالقسط المدفوع مقابل تبرع المؤمن بقيمة التأمين.
الإسلام يحث على العمل والسعي والكسب
وقد حثَّ الإسلام على العمل والسعي للكسب، وهذا يتضح من العديد من النصوص الشرعية. منها قول الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 105]، وقوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10].
ومعنى “ابتغوا” هو طلب الرزق والاجتهاد في اكتسابه. يقول الإمام أبو الليث السمرقندي في “بحر العلوم”: [فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله يعني: اطلبوا الرزق مِن الله تعالى بالتجارة والكسب].
كما جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «طَلَبُ الحَلَالِ جِهَادٌ» أخرجه الإمامان الشهاب القضاعي وابن أبي الدنيا.
التكييف الفقهي للعمل في شركات التأمين
إذا كان الشخص موظفًا في شركة ما، فإن العلاقة بينه وبين الشركة هي علاقة إجارة تتضمن مهامًا محددة وأجرًا معلومًا. والإجارة تُعرف بأنها: “عقدٌ على منفعةٍ مقصودةٍ معلومةٍ قابلة للبذل والإباحة بعوضٍ معلوم” كما ورد في “مغني المحتاج” للإمام الخطيب الشربيني.
الأصل في عقد الإجارة وغيره من العقود التي أقرتها الشريعة الإسلامية هو تحقيق المنافع والمصالح ودرء المفاسد والأضرار.
قال الإمام القرافي في “شرح تنقيح الفصول”: [الشرائع مبنية على المصالح].
وقال عز الدين بن عبد السلام في “الفوائد في اختصار المقاصد”: [من مارس الشريعة وفهم مقاصد الكتاب والسنة علم أن جميع ما أمر به لجلب مصلحة أو مصالح أو لدرء مفسدة أو مفاسد].
حكم العمل في شركات التأمين
بصفة عامة، فإن العمل في شركة ما جائز شرعًا لأنه يدخل ضمن باب الإجارة. أما بخصوص العمل في شركات التأمين، فإنه يعتمد على معرفة حكم التأمين ذاته وماهيته.
فعقد التأمين هو “عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له مبلغًا من المال أو عوضًا ماليًا آخر عند وقوع الحادث أو تحقق الخطر المبين بالعقد مقابل قسط يؤدى للمؤمن” كما جاء في القانون المدني المصري.
والفتوى تشير إلى أن التأمين بكافة أنواعه جائز شرعًا لأنه قائم على فكرة التكافل والتضامن والتعاون لمواجهة الأضرار الناتجة عن الحوادث والكوارث. فهو يمثل تكاتف وتعاون على البر والإيثار المأمور بهما في الإسلام.
قال الإمام الرازي: [كل عقد تقدم لأجل توثيق الأمر وتوكيده فهو عهد، وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ نظير لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾].
كما قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
إن التعاون يساهم في تيسير الأعمال وتوفير المصالح ويظهر الاتحاد والنصرة بين الناس كما يقول شيخ الإسلام الطاهر بن عاشور.
كما روي عن عمرو بن يثربي الضمري رضي الله عنه أنه شهد خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنا وكان مما قاله فيها: «ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه». فقد جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم طريق حل المال مرتبطاً برضا النفس عبر التراضي، مما يجعل التأمين حلالاً.
الأصل العام للعقود والمعاملات هو الإباحة ما لم يوجد دليل شرعي للتحريم. ولا يفسده الغرر لأنه يعتبر عقد تبرع، وعقود التبرعات تُقبل فيها نسبة الغرر العالية مقارنة بعقود المعاوضات التي لا تقبل إلا الغرر اليسير.
وبما أن التأمين يقوم على التكافل والتعاون بين الناس لتحقيق البر والتقوى، فإن العمل في هذه الشركات جائز شرعًا والراتب الشهري والكسب الناتج عن هذا العمل يُعتبر حلالًا.

