الإسلام السياسي: استعمار المعنى وأدْلَنَة الصراع

الإسلام السياسي والتأطير الديني للصراع

استندت الحركات الأيديولوجية المنضوية تحت مظلة الإسلام السياسي، بشقيها السني والشيعي، إلى قاعدة “الحلال والحرام” في إدارة علاقتها مع إسرائيل، حيث أصبحت هذه القاعدة أداة مركزية في التعبئة السياسية وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.

من خلال شعارات مثل “الأرض وقف إسلامي” و”الجهاد فرض عين” و”الشيطان الأكبر”، تم تحويل صراع سياسي ووطني معقد يتعلق بالاحتلال والحدود والحقوق التاريخية إلى إطار ديني مطلق. يُقدم فيه الخلاف السياسي كامتداد لصراع عقدي، ويُعاد تعريف الخصومة السياسية على أنها خيانة دينية قبل أن تكون اختلافًا في الرؤية أو الاستراتيجية.

هذا النمط من التأطير لا يمكن اعتباره مجرد خطأ في التقدير السياسي، بل يمثل تحولًا بنيويًا في إدراك السياسة ذاتها. فالقضية الفلسطينية، بوصفها قضية تحرر وطني، تستمد مشروعيتها من القوانين الدولية وحق الشعوب في تقرير المصير، دون الحاجة إلى تحويلها إلى نزاع ديني مطلق.

إدخال منطق الحلال والحرام على صراع سياسي مفتوح ينقل القضية من مجال الممكنات السياسية إلى مجال اليقينيات العقدية، حيث يصبح التفاوض خيانة، والتسوية تنازلًا عن أصل العقيدة.

من هذا المنظور، يمكن اعتبار أدْيَنة الصراع أحد أشكال الأدلنة السياسية؛ أي العملية التي يتم فيها تحويل المجال السياسي من فضاء مفتوح لإدارة المصالح والتوازنات والتسويات الممكنة إلى فضاء تحكمه منظومات يقينية مغلقة تُعتبر حقائق نهائية غير قابلة للمراجعة.

لا تقتصر الأدلنة على المجال الديني فقط، بل تشمل مختلف أشكال تحويل الأفكار والهويات والرؤى السياسية إلى مسلمات تتجاوز النقد وتقاوم التكيّف مع الواقع.

تحويل السياسة إلى مطلق ديني

يمكن النظر إلى الثنائية الفقهية (الحلال والحرام) في إدارة الصراع السياسي كإشكالية منهجية لسببين:
أولًا: إن مقاومة الاحتلال فعل سياسي وقانوني لا يحتاج إلى تبرير ديني. فهي تستند إلى منظومة القانون الدولي والمعايير الإنسانية والشرعية الوطنية. إعادة تأطيرها ضمن خطاب ديني مطلق يحد من قدرتها على التفاعل مع النظام الدولي ويحوّلها من قضية سياسية قابلة للتسوية إلى مواجهة عقدية مغلقة.

ثانيًا: التجربة التاريخية الإسلامية لم تكن قائمة على رفض مطلق للتسويات. بل اتسمت بقدر من البراغماتية التي ميزت بين الثابت العقدي والمتغير السياسي. إلا أن القراءة الأيديولوجية للتاريخ أعادت إنتاج هذه التجارب كنماذج جامدة منفصلة عن سياقاتها.

إشكالية القراءة الأيديولوجية للتاريخ

تظهر مفارقة لافتة حين يُستدعى صلاح الدين الأيوبي في أدبيات بعض الجماعات كنموذج مطلق للبطولة ورفض التسويات. بينما تشير الوقائع التاريخية إلى نمط أكثر تعقيدًا في إدارة الصراع. فالطريق نحو معركة حطين (عام 1187) لم يكن مسارًا عسكريًا بحتًا، بل سبقته عملية سياسية واستراتيجية طويلة تمثلت في توحيد الجبهات الإسلامية وبناء التحالفات وإدارة موازين القوى، بالإضافة إلى جولات من القتال المحدود والضغط التدريجي على الخصوم.

لم تكن حطين نقطة بداية الصراع بل ثمرة مسار تراكمي جمع بين القوة العسكرية والحركة السياسية. وقد أفضى هذا المسار إلى انتصار حطين واستعادة القدس، لكن إدارة الصراع لم تتوقف عند لحظة النصر.

التطورات العسكرية اللاحقة، وفي مقدمتها معركة أرسوف (عام 1191)، وما أعقبها من تغير في موازين القوى انتهت إلى صلح الرملة (عام 1192)، الذي نص على ترتيبات سياسية شملت بقاء القدس تحت السيادة الإسلامية والسماح للحجاج المسيحيين بزيارتها مع بقاء أجزاء من الساحل تحت سيطرة الصليبيين.

غير أن ذلك لا يعني تخليًا عن الثوابت؛ بل يعكس سياسة واقعية محكومة بها. فلم يتخلَّ صلاح الدين عن السيادة على القدس أو عن هدف استعادتها، وإنما أدرك حدود الممكن في لحظته التاريخية وتعامل مع موازين القوى بما يخدم المصلحة الاستراتيجية للدولة.

التفاوض كأداة تكتيكية وإشكالية الاستقرار

تُظهر الكثير من التجارب الحديثة لبعض الحركات المنضوية تحت مظلة الإسلام السياسي أن التفاوض غالبًا ما يُستخدم كأداة تكتيكية لإدارة المرحلة وليس كإطار استراتيجي لحل الصراع. فهو يُستثمر لإعادة التموضع أو تحسين موازين القوة أكثر مما يُستخدم لإنهاء النزاع.

في المقابل، نجح المشروع الإسرائيلي في توظيف الزمن سياسيًا واستراتيجيًا عبر تحويله إلى أداة لتثبيت الوقائع على الأرض سواء عبر الاستيطان أو إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية. بينما بقي الفاعل الفلسطيني محصورًا بين خطاب التحرير الشامل دون أدواته أو مفاوضات بلا نتائج حاسمة.

استثمار الزمن بين الأطراف

تتجلى إحدى أبرز المفارقات في تفاوت استثمار الزمن بين الأطراف؛ إذ استخدم المشروع الإسرائيلي الزمن بوصفه أداة تراكمية لإنتاج الوقائع بينما وظفته بعض حركات الإسلام السياسي أساسًا في إعادة إنتاج الخطاب والتعبئة دون تحويله دائمًا إلى مشروع سياسي مكتمل.

مآلات الاستراتيجية الدينية: كلفة بشرية وسياسية ممتدة

تشير التطورات الممتدة بين عامي 2023 و2026 أن تصاعد منطق أدْيَنة الصراع ضمن الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي أسهم في إنتاج دوائر عنف عالية الكلفة. ففي غزة أدت المواجهات إلى تدمير واسع للبنية التحتية وتآكل شروط الحياة مما فتح الطريق أمام أنسنة القضية الفلسطينية وخروجها عن مسارها السياسي. وفي لبنان أدى انخراط حزب الله في المواجهة إلى خسائر بشرية ونزوح وتآكل الاستقرار الداخلي. وفي إيران أسهمت استراتيجية محور المقاومة في استنزاف سياسي واقتصادي وأمني متزايد.

ديناميات التقاطع الموضوعي بين الأطراف

يتقاطع تصاعد الخطاب الديني لدى بعض حركات الإسلام السياسي مع صعود تيارات إسرائيلية أكثر تطرفًا تميل بدورها لتأطير الصراع بوصفه مواجهة وجودية. كلما ازداد منطق اليقين المطلق لدى طرف تعزز الخطاب المماثل لدى الطرف الآخر مما يؤدي لإعادة إنتاج متبادل لشرعية التطرف وإضعاف إمكانيات الحلول السياسية.